الشعر إذا استعملت الكلمة في موقعها ، فالصاخّة فيها من العنف الموسيقى ما لا يوصف لكنه غاية في روعة الإيقاع لأنه جاء في سياقه ، بينما تشعر برقرقة وانسياب عندما تسمع كلمة : عذب فرات . إذن للّفظ وحده مخزون صوتي يرفد موسيقا الشعر . وكذلك يسهم في تظهير صورته إذا أحسن وضعه في مواضعه .
3 . نفس الكلام المخيّل والقضايا التي لا دور لها إلا إثارة التعجّب والدهشة والاستغراب ، وقد وقفت على نماذج فيما تقدّم من كلام .
ومن المعلوم أن هذه الأمور الثلاثة لا يجيد صناعتها إلا الأوحدي من الشعراء ، الذي حاز موهبة فأحسن تمثيلها بالممارسة والثقافة ، حيث لابد أن يكون الشاعر متقناً لعلوم العربية نحواً وصرفاً وبلاغةً وغير ذلك من علوم ، ومن أهمّها علما العروض والقافية . ولذا قيل : « الشعر ليس عملًا سهلًا ساذجاً كما يعتقد كثير من الناس ، بل هو عمل معقّد غاية التعقيد ، هو صناعة تجتمع لها في كلّ لغة طائفة من المصطلحات والتقاليد ، وما يزال النقّاد منذ أرسطو طاليس يحاولون أن يصفوها بما يقيمون عليها من مراصد ومقاييس ، وقد يكون من الغريب أن نجعل الشعر صناعة ، ولكنّه الواقع . فكلمة شاعر عند اليونان القدماء معناها صانع ، ولذلك كنا نراهم يقرنون في أبحاثهم الشعر إلى الصناعات والفنون الجميلة من نحت وتصوير . . وموسيقى . . . « 1 » .
[ بماذا يكون الشعر شعراً ؟
إذا عرفت ما تقدم ، فلنعد إلى السؤال الثاني فنقول : بماذا يكون الشعر شعراً أي مخيّلًا ؟
والجواب : إن التصوير في الشعر - كما ألمعنا إليه في التمهيد - يحصل
هامش
( 1 ) الفنّ ومذاهبه في الشعر العربي : الدكتور شوقي ضيف ، دار المعارف ، الطبعة الحادية عشرة : ص 13 . .