تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب المنطق — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
صورة لا واقع لها قبل قيام المتخيّلة بوظيفتها الأثيرة لديها وهي المحاكاة ، حيث ترقّى الشاعر من صورة تُرى فيها المصائب غطّت الفؤاد كما يغطّي الغشاء شيئاً ويُخفيه ، بل أمعن في إبراز تراكم المصائب وتدافعها على قلبه بحيث لم يعد للسهم موضع ينغرز فيه فيرتطم بسابقة فينكسر السهم على الآخر . وأمّا في المنام فلها دور تلعبه . فإذا ما أدركت النفس معنى من المعاني حال النوم كالعلم مثلًا ، فإنّها تعمد إليه فتحاكيه وتصوّره بصورة اللبن ، وذلك « لأنّ الصور العلمية المحذوف عنها الزوائد والقشور ، غذاء للنفس الناطقة كما أنّ اللبن الذي هو جوهر لطيف لذيد سائغ ، غذاء للبدن الذي هو مثال النفس . فالمناسبة بينهما موجودة . . . » ( « 1 » ) . الأمر الذي لا مناص من الاعتراف به ولا مجال لإنكاره ، هو أنّ الصور التي تتولّد بفعل المتخيّلة ، لها واقع غيره ، ألا ترى أنك تندهش وتعجب بإنسان عندما يجيد الكلام بنفس طريقة إنسان ، كأن يجيد طريقة لفظه ويتقن تقليد صوته ، وهذا ما لا تجده إلا أمراً عادياً عندما يصدر من صاحب الصوت الحقيقي ؛ أمّا ما السّرُ في هذا الانفعال عن المحاكاة التي تتولَّد عن التصوير والتخييل ؟ السرُّ في هذا هو خاصّة من خواصّ الإنسان التي هي التعجّب حيث « يتبع إدراكه الأشياء النادرة حالة انفعالية تسمّى بالتعجب ويتبعه الضحك . . . » ( « 2 » ) أو حالة أخرى مناسبة للسبب الذي أثار التعجّب وبعثه . وليس هذا الأمر خاصّة الشعر بل يتبع كلّ محاكاة أيّاً كان مصدرها ، فقد يكون مصدر المحاكاة وسببها الشعر - كما نحن فيه - وقد يكون سببها الرسم ، حيث
هامش
( 1 ) شرح المنظومة ، مصدر سابق : ج 5 ص 231 . ( 2 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، لمؤلّفه الحكيم الإلهي والفيلسوف الربّاني صدر الدين محمد الشيرازي ، مجدّد الفلسفة الإسلامية ، دار إحياء التراث العربي ، الطبعة الثالثة ، 1981 م : ج 9 ، ص 80 . .
شرح كتاب المنطق — صفحة 251 | السيد كمال الحيدري / عبد الله الأسعد