بنيَّ تقضي على شاطي الفرات ظمىً * والماء أشربه صفواً بلا كدر ؟ !
فلو أن الخطيب لفظ الشطر الثاني من البيت بطريقة الإخبار لكان إطفاءً وطمساً منه لروح معناه ، وذلك لأنّ الثاكل المفجوعة تنكر على نفسها شرب الماء صافياً زلالًا بعد أن قضى ولدها ظامياً وهو على بعد أمتار من ماء الفرات .
إذاً فالصحيح أن يلقى هذا الشطر بنغمة الاستفهام ، أي شرب الماء من دون غصّة ولوعة بعدك أمر باطل لا يقع من أمٍّ فجعت بولدها ، على تلك الحالة .
[ وهذه القدرة على تأدية الكلام المعبّر بلهجاته ونغماته ونبراته شرط أساس لنجاح الخطيب ، إذ بذلك يستطيع أن يمتزج بأرواح المستمعين ويبادلهم العواطف ويجذبهم إليه . وإلقاء الكلام الجامد لا يثير انفعالاتهم ولا تتفتّح له قلوبهم ولا عقولهم ، بل يكون على العكس مملًا مزعجاً ] .
لذلك تجد علامات الانشداد والتفاعل من قبل الجماهير واضحة فيما لو كان الخطيب مراعياً لهذه الشروط وغيرها مما له الأثر في جذب الجماهير وإنشدادها ، فيهتفون تأييداً وتأكيداً ، بينما الخطيب الذي لا يمتلك تلك اللياقة تجده يستدرّ التأييد من خلال إحراج الناس ، كأن يقول لهم : صلوا على محمد وآل محمد ، وبطبيعة الحال فإن الناس سوف ترفع الأصوات عالياً بالصلاة على محمد وآل محمد ، أو يطلب منهم التكبير بين الحين والآخر .
[ 2 . ما يتعلّق بالخطيب ، وهو ما يخصّ معرفته عند المستمعين وهيئته ومنظره الخارجي ليكون قوله مقبولًا . وقد تقدم ذكر بعضه في الاستدراجات . وهو على وجهين قولي وفعلي ]
هذه أيضاً من الأمور الخارجة عن مقوّمات الخطابة والمتعلّقة بذات الخطيب ، لكنها ذات أثر في تحصيل غرضه ، والأمور هذه والتي تتعلق بذات الخطيب ، لا بنحو نطقه ولفظه ، على وجهين : قولي وفعلي
[ أمّا القولي فمثل الثناء عليه أو على رأيه وإظهار نقصان خصمه أو ما