إمّا لوضوحها ، أو لذكاء المخاطب . [ والجمهور إذا أحسّ أن الخطيب يذكر ما لا حاجة إلى ذكره أو يأتي بالمكرّرات ، يسرع إليه الملل والضجر والاستيحاش منه . وقد يؤثّر فيه ذلك انفعالًا معكوساً فيثير في نفوسهم التهمة له في صدق قوله ] ، نعم التكرار الذي لا فائدة منه يفعل هذا الأثر ، حيث يؤدّي إلى الملل والضجر والاستيحاش ، وقد يؤدّي إلى نقض الغرض أيضاً ، فبدل أن يقتنع المخاطب بدعوى الخطيب يبادر إلى الاقتناع بما يقابلها ، فإذا كرّر الخطيب ما لا داعي إلى ذكره فإنّ هذا ربما يؤدّي إلى القول بأن الخطيب لو كان صادقاً فيما يدّعيه لما احتاج إلى توضيح الواضحات .
[ فلذلك ينبغي للخطيب دائماً تجنّب زيادة الشرح والتكرار المملّ ؛ فإنه يثير التهمة في نفوس المستمعين وشكوكهم في قوله وضجرهم منه ] ، لقد قيّد ( رحمه الله ) التكرار وزيادة الشرح التي تؤثّر هذا الأثر السلبي بالإملال والإضجار ، ولا أظنّه أراد به التوضيح ، وأنّ كلّ تكرار يؤثّر هذا الأثر ، بل التكرار الذي يكون مملًّا ينبغي تجنّبه ، وأما إذا كان الحال يقتضي التكرار فينبغي تعاطيه .
[ وبعد هذا ، فلو اضطرّ الخطيب إلى ذكر الكبرى - كما لو كان حذفها يوجب أن يكون خطابه غامضاً - فينبغي أن يوردها مهملة حتّى لا يظهر كذبها لو كانت كاذبة ، وألا يوردها بعبارة منطقية جافّة ] ، إذن ليس كلّ تكرار يؤثّر ذلك الأثر ، بل لعلّ الحال يقتضي التكرار ، ومن التكرار إيراد الكبرى في الكلام ، لكن لا مطلق الإيراد بل يوردها مبهمة مهملة إذا لم تكن صادقة كما لو كانت كل من يطوف في الليل فهو سارق وذلك لأنّ إيرادها خلاف ذلك يؤدي إلى فضيحة الخطيب وعدم صدقه ، وأما الشرط الثاني لإيراد الكبرى فهو عدم إيرادها بعبارة منطقية ، وذلك لما عرفته من موقف الجمهور من استعمال الاستدلال العلمي والمنطقي .
[ وصنعة الخطابة تعتمد كثيراً على المقدرة في إيراد الضمير أو إهمال
شرح كتاب المنطق — صفحة 143
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٤٣