الشرح
من الاصطلاحات المعروفة الدارجة في صناعة الجدل : السائل والمجيب . ويطلق المجيب على : من يحافظ على وضع ورأي يعتقد به أو يلتزم به ، ويطلق السائل على : من يريد نقض ذلك الوضع ويريد هدمه .
والسرّ في التسمية بالسائل والمجيب : أنّ الذي له رأي واعتقاد معيّن ، لا علاقة له بالآخرين ، وإنّما الشخص الذي يريد أن ينقض هذا الاعتقاد والوضع المعيّن يبدأ بالمناقشة والجدال والتدرّج بالأسئلة التي يوجّهها إلى المحافظ على وضعه لكي يوصله إلى درجة يسلّم ببطلان وضعه ورأيه الذي يعتقد به .
فمن يريد هدم وضع معيّن هو الذي يبادر بالسؤال من الشخص الذي يريد الحفاظ على وضعه ، فيسأله ويتدرّج معه بالمقدّمات إلى أن يصل إلى نتيجة بحيث يُلزم المجيب بأنّ الوضع الذي يعتقد به أو يلتزم به باطل .
وطريقة الجدل هذه إنّما كانت تجري في الأزمنة القديمة ، أمّا في زماننا فليس الأمر كذلك . نعم من أحد مصاديق السائل والمجيب أن يتقابل شخصان ، والشخص الذي يريد أن ينقض رأي صاحبه يبدأ بالمحاورة فيسأله ويتدرّج معه حتّى يهدم وضعه ورأيه الذي يعتقد به أو يلتزم به . فالجدل في زماننا لا ينحصر في مصداق واحد ، بل له عدّة مصاديق ، مثل ما نشاهده من المناقشات الجدلية الحادّة على صفحات الجرائد والمجلّات ، وسَوق كلّ واحد من المتجادلين الأدلّة على رأيه وما يلتزم به ، مع أنّه لا يوجد سائل ولا مجيب ولا يوجد التقاء بين الطرفين .
[ تقدّم أنّ الجدل لا يتمّ إلّا بين طرفين متنازعين ، فالجدلي شخصان : ] ليس بالضرورة أن يكونا شخصين ، بل ربما كانا مجموعتين [ ( أحدهما ) محافظ على وضع وملتزم له ، وغاية سعيه ألا يلزمه الغير ولا يفحمه ]
شرح كتاب المنطق — صفحة 359
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٥٩