يتعلّم ذلك العلم . مثلًا عندما يدرس الطالب المبتدئ علم الفلسفة لابدّ أن يعتقد بأنّ لهذا العلم فائدة حتّى يحصل له الشوق إلى دراسته ، ولكن ما يعتقد به أنّه من فوائده ليست قضايا أقام البرهان عليها ، باعتبار أنّه لم يقرأ شيئاً من البرهان أو الدليل العقلي القائم على تلك المصادرات . فلابدّ أن يعتقد بها ، واعتقاده بها إنّما يكون بسبب مقدّمات مشهورة ، والاعتقاد بهذه المقدّمات يسهّل عليه دراسة العلم وتجعله يقبل بتلك المصادرات [ بسبب تلك المقدّمات الجدلية ] وهي المقدّمات المشهورة [ إذ إنّه بادئ بدء قد ينكرها ] أي ينكر المصادرات [ ويستوحش منها ، لأنّه لم يَقْوَ بعد على الوصول إلى البرهان عليها ] مع أنّه لابدّ له من الإيمان بها قبل الدخول في العلم الطالب له [ والمقدّمات الجدلية تفيده التصديق بها وتسهّل عليه الاعتقاد بها فيطمئنّ إليها قبل الدخول في العلم ومعرفة براهينها ] والأدلّة التي تثبت تلك المصادرات التي تقدّم بحثها فيما سبق . وهذه أيضاً من الفوائد المهمّة للجدل ، فإنّك إنّما تعرف أهمّية علم المنطق مثلًا بعد دراسته ومعرفة قوانينه وقواعده ، ولكنّك قبل الدخول فيه لم تعرف أهمّيته إلّا من خلال ما تسمعه من قضايا مشهورة مسلّمة الغرض ، منها إقناعك بدراسة هذا الفنّ .
والإنصاف أنّ هذه الفوائد الثلاث هي المهمّة في المقام ، وأمّا الباقية فليست لها تلك الأهمّية .
[ 4 . وتنفع هذه الصناعة أيضاً طالب الغلبة على خصومه ] فإنّ المهمّ لدى البعض الغلبة على خصمه سواء كان على حقّ أو باطل ، كما هو شأن بعض المحامين في المحاكم ؛ إذ ليس لهم همّ وراء دفاعهم عن المتّهمين إلّا كسب المال والغلبة على الخصم سواء كان المتّهم الذي وكّلهم بالدفاع عنه بريئاً أم مذنباً ، على حقّ أم باطل . فهذه الصناعة تعلّمه كيف يغلب الخصم [ إذ يقوى على المحاورة والمخاصمة والمراوغة ، وإن كان الحقّ في جانب خصمه ،
شرح كتاب المنطق — صفحة 355
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٥٥