وكذا ( العلّة الغائية ) ] فإنّه مع فرض تحقّقها لابدّ من تحقّق العلل البواقي قبلها [ فإنّما يفرض وجود الغاية بعد فرض وجود ذي الغاية وهو المعلول ] كالنوم على السرير ، فإنّه لا يتحقّق إلّا بعد وجود السرير ، ووجود السرير لا يتحقّق إلّا بعد وجود المادّة والفاعل [ لأنّ الغاية في وجودها الخارجي متأخّرة عن وجود المعلول ، بل هي معلولة له ] . يشير في هذا الكلام إلى نقطة وهي : إنّ العلّة الغائية من العلل الأربع ، والعلّة لابدّ أن تكون متقدّمة على المعلول . وفي المقام الغاية متأخّرة في وجودها الخارجي بعد فرض وجود ذي الغاية ، فكيف يمكن التوفيق بين كونها علّة وهو يستلزم أن تكون متقدّمة على المعلول ، وبين كونها متأخّرة عن المعلول ؟ وهل يمكن أن يكون الشيء متقدّماً ومتأخّراً ؟
فمن جهة تقولون : إنّ المعلول لكي يتحقّق لابدّ من حصول أربع علل ، والعلّة الغائية من أجزاء العلّة ، وأجزاء العلّة متقدّمة على المعلول ، ومع هذا فقد فرضتم العلّة الغائية متأخّرة عن وجود المعلول ، فيكون الشيء الواحد متقدّماً ومتأخّراً في آن واحد .
وأجاب ( قدّس سرّه ) بما حاصله : إنّ المتقدّم هو الصورة العلمية للغاية ، والمتأخّر هو الوجود الخارجي للغاية ، ولا محذور في أن يكون الشيء الواحد بصورته العلمية متقدّماً وبوجوده الخارجي متأخّراً ، ولهذا قيل : ) إن الغاية متقدّمة على الفعل تصوّراً ومتأخّرة عنه وجوداً ( « 1 » ، والقائل هو الشيخ الرئيس ( قدّس سرّه ) « 2 » . فإنّك ما لم تتصوّر الشبع ولذّته - مثلًا - لا تقدم على أكل الطعام . فأنت تتصوّر الغاية أي الشبع فيكون متقدّماً على الأكل ، ثمّ لمّا تأكل تتحقّق الغاية بوجودها الخارجي .
هامش
( 1 ) بداية الحكمة ، مصدر سابق ، الفصل السابع من المرحلة السابعة .
( 2 ) إلهيات الشفاء ، مصدر سابق ، الفصل الخامس من المرحلة السادسة . .