لا يقال : نحن نصل إلى اليقين بطريق خاصّ غير طريق العبادة ؛ فإنّه ليس من اليقين الذي ذكره القرآن الكريم ، وهو العبادة بالكيفية التي بيّنها للناس بأركانها المخصوصة ؛ إذ من الواضح أنّ تشخيص الكيفية ليس بيد الإنسان وإنّما بيد الشارع المقدّس ، وهو يعلم بالكيفية التي توصّل الناس إلى اليقين .
وهذا ردّ على جهلة الصوفية الذين يتركون العبادة بزعم أنّهم وصلوا إلى درجة اليقين ، أخذاً بالغاية من قوله تعالى : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأتيَكَ الْيَقينُ فإنّ القرآن الكريم أوضح أنّ الإنسان ما دام متمسّكاً بالعبادة فهو واصل إلى اليقين . أمّا إذا انقطع عن العبادة ، فلم يكن واصلًا إليه وإن كان يتصوّر أنّه واصل إليه .
ثمّ لا يدّعي مدعّ أنّه يعطي ذكراً - مثلًا - يوصل طالبه إلى درجة اليقين ، فإنّ أئمّتنا ( عليهم السلام ) بيّنوا طريق العبادة والذكر أيضاً ، وذكروا أدعية وأذكاراً تقال في الصباح وفي الزوال وفي العصر وفي المغربين وفي كلّ وقت من الأوقات ، ولم يبقوا صغيرة وكبيرة إلّا وعرّفونا الطريق في كيفية التعبّد بها .
المهمّ أنّ القرآن الكريم يؤكّد حقيقة وهي أنّ الهدف هو الوصول إلى اليقين ، وأنّ الوصول إليه منحصر بالعبادة .
ثمّ إنّ اليقين في القرآن الكريم له مراتب متعدّدة ؛ قال تعالى : كَلَا لَوْ تَعْلَمُونَ علْمَ الْيَقين * لَتَرَوُنَّ الْجَحيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقين « 1 » وقال تعالى : إنَّ هَذَا لَهُوَ حقّ الْيَقين « 2 » فمراتب اليقين هي : علم اليقين ، وعين اليقين ، وحقّ اليقين .
وللتقريب إلى الذهن نقول : علم اليقين : كمن رأى دخاناً فحكم بوجود
هامش
( 1 ) التكاثر : 5 - 7 .
( 2 ) الواقعة : 95 . .