- 1 - حقيقة البرهان
إنّ العلوم الحقيقية التي لا يراد بها إلّا الحقّ الصراح ، لا سبيل لها إلّا البرهان ، لأنّه هو وحده - من بين أنواع القياس الخمسة - يصيب الحقّ ويستلزم اليقين بالواقع . والغرض منه معرفة الحقّ من جهة ما هو حقّ سواء كان سعي الإنسان للحقّ لأجل نفسه ليناجيها به وليعمر عقله بالمعرفة ، أو لغيره لتعليمه وإرشاده إلى الحقّ .
ولذلك يجب على طالب الحقيقة ألّا يتبع إلّا البرهان ، وإن استلزم قولًا لم يقل به أحد قبله .
وقد عرّفوه بأنّه : ) قياس مؤلّف من يقينيات ينتج يقيناً بالذات اضطراراً ( وهو نعم التعريف ، سهل واضح مختصر .
ومن الواضح أنّ كلّ حجّة لابدّ أن تتألّف من مقدّمتين ، والمقدّمتان قد تكونان من القضايا الواجبة القبول ، وهي اليقينيات التي مرّ ذكرها ، وقد لا تكونان منها ، بل تكون واحدة منهما أو كلتاهما من أنواع القضايا الأخرى السبع التي تقدّم شرحها في مقدّمة هذا الباب .
ثمّ المقدّمة اليقينية إمّا أن تكون في نفسها بديهية من إحدى البديهيات الستّ المتقدّمة ، وإمّا أن تكون نظرية تنتهي إلى البديهيات .
فإذا تألّفت الحجّة من مقدّمتين يقينيّتين سمّيت ( برهاناً ) . ولابدّ أن ينتجا قضية يقينية لذات القياس المؤلّف منهما اضطراراً ، عندما يكون تأليف القياس في صورته يقينياً أيضاً ، كما كان في مادّته ، فيستحيل حينئذٍ تخلف النتيجة لاستحالة تخلّف المعلول عن علّته ، فيعلم بها