أحداث محزنة فإنّك تتأثّر ، ولكن لو صيغت ببيتين شعريين تتأثّر أكثر . ولذا ورد أنّ من الشعر لحكمة ، وأنّ من البيان لسحراً ، لأنّ للشعر نغماً خاصّاً ، والعالم مبني على النغم والموسيقى الخاصّة . وهؤلاء الذين لهم خبرة خاصّة في سبك الحروف والكلمات بقالب المعاني البديعية البليغة ، إذا صاغوها بصياغتها الشعرية أثّرت في النفوس .
هذا وقد صاغ القرآن الكريم الكلمات وركّب الحروف في وصف الجنّة والنعيم فجاءت بالغة الدقة مؤثّرة في النفوس وكأنّها نسيم الصبا تسكن إليها النفوس وتطمئنّ بها القلوب الصافية ، على العكس من الكلمات التي استعملها في وصف النار وعذاب الحريق ، فإنّه ركّبها تركيباً يصفع الإنسان ويردعه ويزرع الخوف في نفسه ، كقوله تعالى : الصّاخّة ، والقارعة ، والطّامّة والواقعة .
إذن : استعمال الكلمات والألفاظ التي لها قابلية الاتّصاف بالرقّة والعذوبة ، له أثر طيّب في النفس الإنسانية ، فضلًا عن دلالتها على معانيها الموضوعة لها ، واستعمال الكلمات التي لها قابلية الاتّصاف بالزجر ، فضلًا عن دلالتها واستعمالها في معانيها ، يوجب ردع الإنسان ويزرع الخوف في نفسه . ويزداد ذلك كلّما كان للشاعر قدرة على استعمال هذه الكلمات والحروف والأنغام الخاصّة التي تعطي المعاني التي يريد أن يرغّب الناس بها أو يزجرهم عنها .
[ وتأثير هذه القضايا ( التي هي موادّ صناعة الشعر كما سيأتي ) في النفس ، ناشئ من تصوير المعنى بالتعبير تصويراً خيالياً خلّاباً وإن كان لا واقع له ] لكنّه يؤثّر في النفس . وعلى هذا الأساس يتّضح لكم أنّ منظومة الحكيم السبزواري ليست شعراً وإنّما هي نثر منظوم ، لأنّ الشعر هو ما يذهب بالإنسان في عالم الخيال لا في عالم الواقع ، كما في قوله ( رحمه الله ) :
إنّ الوجودَ عندنا أصيلُ * دليل من خالفنا عليلُ