الشرح
الانفعاليات هي القسم الرابع من المشهورات ، وهي قضايا يقبلها الجمهور ، وسبب قبولها وشهرتها انفعال القلب بها ؛ فإنّ الإنسان له عاطفة ورقّة ورحمة وشفقة وأنفة وحمية وغيرة ، وغير ذلك . وهذه الانفعالات تكون منشأ للحكم بحسن بعض الأفعال وبقبحها . والإنسان الذي له شفقة ورحمة وعاطفة يتأثّر وينفعل إذا شاهد حيواناً يُذبح . ومن هنا لو سألت الإنسان عن سبب قيامه ببعض الأفعال كالعطف على الفقير ، لأجابك إنّما قام بها لدفع الألم الذي يتوجّه إليه ، لا لحاجة في نفسه . فهو عندما يرى الفقير رثّ الثياب منكسراً ، يتألّم من هذا المنظر فيعطف عليه ؛ ليدفع ألمه النفسي الذي أصيب به ، لا ليقضي حاجة الفقير .
ولا يخفى عليكم أنّ الله سبحانه وتعالى أودع الشفقة والرحمة في قلب الإنسان ، وقد نظّمها في شرعه الحنيف وبيّن المواضع التي ينبغي أن تكون فيها شفقة مثلًا ، والمواضع التي لا ينبغي أن تكون فيها شفقة ، كما يومي إليه قوله تعالى : الزَّانيَةُ وَالزَّاني فَاجْلدُوا كُلَّ واحد منْهُمَا مائَةَ جَلْدَة وَلَا تَأْخُذْكُمْ بهمَا رَأْفَةٌ في دين الله إنْ كُنْتُمْ تُؤْمنُونَ باللَّه وَالْيَوْم الآَخر وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائفَةٌ منَ الْمُؤْمنينَ « 1 » ففي جريمة الزنا لا ينبغي أن تأخذنا رأفة وشفقة بهما في إقامة الحدّ وتنفيذ العقوبة . وكذلك في حدّ السرقة ، قال تعالى : وَالسَّارقُ وَالسَّارقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْديَهُمَا جَزَاءً بمَا كَسَبَا نَكَالًا منَ الله وَاللهُ عَزيزٌ حَكيمٌ « 2 » فإنّ الإنسان قد يرى أنّه من الأفضل أن لا يرجم الزاني ولا تقطع يد السارق بمقتضى
هامش
( 1 ) النور : 179 .
( 2 ) المائدة : 38 . .