الشرح
البحث في النوع الثاني من أنواع الحجّة . وقد ذكرنا في أبحاث سابقة : أنّ الحجّة إمّا تكون بالسير من العام إلى الخاصّ ، ومن الكلّي إلى الجزئي وهو القياس ، وإمّا تكون بالسير من الخاص إلى العام وهو الاستقراء . وأمّا السير من الخاص إلى الخاص فهو التمثيل ، وسوف يأتي . وما تقدّم وانتهينا منه كان في السير من العام إلى الخاص .
ثمّ السير من الجزئي أو الخاص ، إلى الكلّي أو العام ، لا يكون إلّا في الاستقراء الناقص لا في التامّ ، لأنّ في التامّ لا يكون سير من الجزئي إلى الكلّي بل السير من المساوي إلى المساوي .
إذن عندما نعرّف الاستقراء بالسير من الجزئي إلى الكلّي نريد به الاستقراء الناقص لا مطلق الاستقراء ، لأنّهم عندما يعرّفون الاستقراء ، يذكرون ما ينسجم مع الناقص منه ، لا ما ينسجم مع المعنى المطلق . إذ ثمة بحث عمّا إذا كان يوجد استقراء تامّ ، حيث قال جملة من المناطقة : إنّ الاستقراء التامّ غير ممكن الوقوع أصلًا ؛ لأنّ الجزئيات غير المتناهية - بل والمتناهية منها في زمان سابق وفي زمان لاحق - لا يمكن استقراؤها استقراءاً تامّاً . مهما فعلنا .
و [ عرّفنا الاستقراء فيما سبق بأنّه هو : أن يدرس الذهن عدّة جزئيات فيستنبط منها حكماً عامّاً ] . من الواضح أنّ هذا التعريف ينسجم مع تعريف الاستقراء الناقص ، إذ لا يوجد عدّة جزئيات في الاستقراء التامّ ، بل توجد كلّ الجزئيات المرتبطة بذلك الحكم العام [ كما لو درسنا عدّة أنواع من الحيوان فوجدنا كلّ نوع منها يحرّك فكه الأسفل عند المضغ ، فنستنبط منها قاعدة عامّة ، وهي : أنّ كلّ حيوان يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ ] مع أنّنا لم نستقرئ إلّا بعض الأنواع .
شرح كتاب المنطق — صفحة 364
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٦٤