وحينئذٍ يسري حكم الفرد الخارجي إلى المفهوم . وفي الواقع - كما قلنا - إنّ الفرد الخارجي يستحيل انطباقه على كثيرين ، مثل : زيد بخصوصياته ، فإنّه يستحيل أن ينطبق على غيره ، فكما نقول : إنّ الأحكام الثابتة للمعاني أوّلًا وبالذات ، وتنسب ثانياً وبالعرض إلى اللفظ باعتباره حاكياً عن المعنى لوجود العلاقة والاتّحاد بينهما ، فكذلك نقول في المقام : إنّ المفهوم ، بما هو ، له خصوصيّة لا تنفكّ عنه وهي قابلية الانطباق على كثيرين إلا إذا ارتبط بالخارج ، وحينئذٍ لا يكون فرض عدم صدقه على كثيرين بالذات ، وإنما بسبب ارتباطه بالخارج .
هذا وقد يقال : إنّ المفهوم لكي يكون كلّياً لابدّ أن توجد له أفراد كثيرة في الخارج حتى ينبطق عليها ، مع أنّ بعض المفاهيم الكلّية لا يوجد لها إلا مصداق واحد ، بل بعضها يمتنع أن يوجد له أيّ مصداق في الخارج أصلًا ، مثل مفهوم شريك الباري ، فكيف يمكن التوفيق بين هذا المعنى وبين تعريف الكلّي ؟
الجواب : إنّ مفهوم الكلّي ( وهو ما لا يمتنع فرض صدقه على كثيرين ) ينقسم - بحسب أفراده وبما هو حاكٍ عنها - إلى أقسام : منها ما ليس له فرد في الخارج على الإطلاق ، كشريك الباري ، فإنّه وإنْ كان له قابلية الصدق على كثيرين إلَّا أنّه يستحيل أنْ يوجد له مصداق خارجي ، وكاجتماع النقيضين فإنّه وإن كان صالحاً للانطباق على كثيرين إلا أنّه يستحيل وجودهما مجتمعين في الخارج .
ومنها : ما لا يوجد له إلّا مصداق واحد صالح للانطباق عليه ، كواجب الوجود وهو من المفاهيم الكلّية إذ لو كان من المفاهيم الجزئية لما احتجنا بعد إثبات وجوده تعالى ، إلى إثبات وحدانيته بالأدلّة والبراهين .
ومن الواضح أنّ كلا القسمين تضمّنهما السؤال المتقدّم .
شرح كتاب المنطق — صفحة 242
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٤٢