نعم يمكن أن يكون المفهوم كلّياً من حيثيّة ، وجزئيّاً من حيثيّة أخرى ، واختلاف الحيثية رافع لاجتماع النقيضين كما سوف يأتي لاحقاً . قال المصنّف : [ يدرك الإنسان مفهوم الموجودات التي يحسّ بها ] . بنينا سابقاً على النظرية القائلة : إنّ الإنسان يولد ، وهو لا يعلم شيئاً كما دلّ عليه قوله تعالى : « وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطونِ أمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئَاً » حيث قلنا : إنّ المراد بالعلم هو العلم الحصولي بالمفاهيم التي ندركها بإحدى الحواسّ الظاهرية ، ولهذا قلنا : « من فقد حسّاً فقد علماً » ومن فقد جميع الحواسّ فقد العلم بجميع الموجودات .
[ مثل : محمد . هذا الكتاب . هذا القلم . هذه الوردة . بغداد . النجف . . . ] إنّما لم يقل : هذه بغداد ، وهذه النجف ، وقال : هذا الكتاب وهذا القلم ، لأنّ كلًا من الكتاب والقلم كلّي وليس جزئيّاً إلَّا إذا أشير إليه باسم الإشارة ، وأما لفظ محمد ، فهو اسم علم لشخص معيّن ، وإنْ كان اللفظ في الواقع يطلق على كثيرين ، إلّا أنّه إذا وضع لشخص معيّن يمتنع صدقه على كثيرين فإنّه لا يعامل معاملة لفظ « محمد » الذي يقال على غيره من المحمدين ، وقد علمت في محلّه من الأحكام الشرعية أنّ لفظ محمد إنْ أريد به النبي ( صلى الله عليه وآله ) فله حكم من حيث مسّه من دون وضوء ، وليس الأمر كذلك فيما لو كان يراد به محمد آخر من المحمدين ، والفضل لا يرجع في هذا إلى اللفظ بما هو لفظ ، وذلك لأنّ المراد منه الشخص الذي له صفات معيّنة من الطول ولون البشرة والولادة في مكان معيّن . . . إلى غير ذلك من القيود التي تضيّق دائرة مصاديقه وأفراده إلى أنْ لا يبقى له إلّا مصداق واحد ، ومع ذلك فلا يخرج عن مفهوم الكلّية .
ومن هنا نستنتج القاعدة في المفهوم وهي : كلّ مفهوم قابل للصدق على كثيرين ولو قيّد بآلاف القيود فإن هذا لا يخرجه عن كلّيته ، مثلًا مفهوم
شرح كتاب المنطق — صفحة 239
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٣٩