فكثير الاستعمال أقبح من قليله ، والكناية أقلّ قبحاً ، بل قد لا يكون فيها قبح كما كنّى القرآن الكريم بالفروج .
وكذا رصانة التعبير وعذوبته تعطي جمالًا في المعنى لا نجده في التعبير الركيك الجافي ، فيضفي جمال اللفظ على المعنى جمالًا وعذوبة .
الرابع : « الوجود الكتبي » ، شرحه : إنّ الألفاظ وحدها لا تكفي للقيام بحاجات الإنسان كلّها ؛ لأنّها تختصّ بالمشافهين ، وأما الغائبون والذين سيوجدون فلابدّ لهم من وسيلة أخرى لتفهيمهم ، فالتجأ الإنسان أن يصنع النقوش الخطّية لإحضار ألفاظه الدالّة على المعاني ، بدلًا من النطق بها ، فكان الخطّ وجوداً للّفظ . وقد سبق أن قلنا : « إنّ اللفظ وجود المعنى » ، فلذا نقول : « إنّ وجود الخطّ وجود للفظ ، ووجود للمعنى تبعاً » ، ولكنّه وجود كتبيّ للّفظ والمعنى ، أي أنّ الموجود حقيقة هو الكتابة لا غير ، وينسب الوجود إلى اللفظ والمعنى مجازاً بسبب الوضع ، كما ينسب وجود اللفظ إلى المعنى مجازاً بسبب الوضع .
إذن الكتابة تحضر الألفاظ ، والألفاظ تحضر المعاني في الذهن ، والمعاني الذهنية تدلّ على الموجودات الخارجية .
فاتّضح أنّ الوجود اللفظي والكتبي وجودان مجازيان اعتباريان للمعنى بسبب الوضع والاستعمال .
لقد سمعت هذا البيان المطوّل وغرضنا أن نفهم منه الوجود اللفظي ، وقد فهمنا أنّ اللفظ والمعنى لأجل قوّة الارتباط بينهما كالشئ الواحد ، فإذا أحضرت اللفظ بالنطق فكأنما أحضرت المعنى بنفسه .
ومن هنا نفهم كيف يؤثّر هذا الارتباط على تفكير الإنسان بينه وبين نفسه ، ألا ترى نفسك عندما تحضر أيّ معنى كان في ذهنك لابدّ أن تحضر معه لفظه أيضاً ، بل أكثر من ذلك تكون انتقالاتك الذهنية من
شرح كتاب المنطق — صفحة 124
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٢٤