المناقشة الثانية : إنّ محاولة تحويل القطع من الطريقي إلى الموضوعي لو تمّت فهي تتمّ فيما لو كان القطع العقلي متعلّقاً بثبوت الحكم الشرعي ، كما لو قطع المكلّف عقلًا بوجوب السفر إلى الحجّ ، ولا تتمّ في حالة تعلّق القطع العقلي بنفي الحكم الشرعي ، كما لو فرضنا أنّنا قلنا باستحالة ثبوت الحكمين المتضادّين ولو على وجه الترتّب ، فإنّ هذه الاستحالة عقليّة ، وهي تنفي ثبوت الحكم الشرعي . فإذا لم يكن الدليل العقلي حجّة فاللازم أن يحكم الشارع بعدم ثبوت هذه الاستحالة ؛ لأنّ الدليل عليها كان من العقل ، وبالتالي يحكم بلزوم الأخذ بالحكمين المتضادّين ، وهذا غير معقول .
مثال ذلك : لو قطع العقل باستحالة الأمر بالضدّين ولو على وجه الترتّب وقد قرّب صاحب الكفاية هذه الاستحالة عقليّاً ببيان أنّ تقييد أحدهما بعدم عصيان الآخر يؤدّي إلى طلب الجمع بين الضدّين ، فيما إذا عزم على عصيان الأمرين معاً أو عزم على عصيان أحدهما ، ومن الواضح : أنّ طلب الجمع بين الضدّين مستحيل ، ففي هذه الحالة يمكن للمولى أن يجعل الحكم المستحيل في حقّ من وصلت إليه الاستحالة ، ومن الواضح أنّ جعل الشارع الحكم المستحيل في حقّ من وصلت إليه الاستحالة بدليل عقليّ لا يلتزم به أحد .
وبهذا يتبيّن : أنّ الصحيح هو أنّ الدليل العقلي القطعي حجّة في نفسه من باب حجّيّة القطع ، ولا يمكن المنع عنه شرعاً لا بصورة مباشرة بسلب الحجّيّة عنه والردع عن العمل به ؛ لأنّه مستحيل كما تقدّم ، ولا من طريق تحويله من القطع الطريقي إلى الموضوعي ، بمعنى أخذ عدمه قيداً في الحكم الشرعي .
دليل الأخباريّين على عدم حجيّة الدليل العقليّ
الدليل الذي استدلّ به الأخباريّون على عدم حجّيّة الدليل العقلي القطعي عبارة عن عدّة من الروايات التي ندّدت بالعمل بالأدلّة العقليّة في استنباط