فقد حاول البعض توجيه مقالة الأخباريّين بشكل آخر كما سنبيّن في البحث اللاحق .
توجيه القول الثاني
حاول بعض الأعلام توجيه مقالة الأخباريّين وذلك من طريق تحويل القطع من كونه قطعاً طريقيّاً إلى قطع موضوعيّ « 1 » وذلك بأخذ عدم القطع
هامش
( 1 ) القطع الطريقيّ هو الذي يكون طريقاً صرفاً إلى حكم أو موضوع ذي حكم بحيث لا دخل له في الحكم شرعاً ولم يؤخذ في متعلّقه بنظر الشارع ، فإذا ورد أنّ الخمر حرام والبول نجس ، فقطعك هنا قطع طريقيّ سواء تعلّق بالحكم الكلّي ، فعلمت بأن الخمر حرام شرعاً ، أو بالموضوع الخارجيّ ، فعلمت أنّ هذا الإناء خمر ، إذ الفرض أنّ الحكم رتّب علىالعنوان الواقعيّ ، ولم يلاحظ الشارع في مقام جعله إلّا الحكم الكلّي على الموضوع الكلّي والقطع طريق إليه عند العقل .
أمّا القطع الموضوعيّ فهو الذي يكون مأخوذاً في الخطاب ويكون له دخل في الحكم أو في موضوعه ، وهو على أقسام كثيرة ، بعضها ممكن وبعضها مستحيل .
وتوضيحه : أنّ القطع المأخوذ في الموضوع إمّا أن يكون قطعاً متعلّقاً بالحكم أو بموضوع ذي حكم أو بموضوع بلا حكم ، وعلى التقديرين الأوّلين إمّا أن يقع موضوعاً لعين الحكم الذي تعلّق به أو بموضوعه أو يقع موضوعاً لمثله أو موضوعاً لضدّه أو موضوعاً لخلافه ، فصارت الأقسام تسعة ، ستّة منها مستحيلة وثلاثة منها ممكنة .
أمّا الستّة المستحيلة فهي أن يؤخذ القطع بالحكم أو بموضوع ذي حكم موضوعاً لنفس ذلك الحكم أو موضوعاً لحكم مثله أو لحكم ضدّه ، وأمّا الثلاثة الممكنة فهي أن يؤخذ القطع بالحكم أو بموضوع ذي حكم في موضوع حكم مخالف له ، أو يؤخذ القطع بموضوع بلا حكم في موضوع أيّ حكم كان . أمّا أمثلة الأقسام :
فالأوّل : ما إذا كان القطع بالحكم مأخوذاً في موضوع عين ذلك الحكم ، كما إذا ورد : إذا علمت بوجوب الجمعة فهي تجب عليك بعين ذلك الوجوب . وهذا باطل ؛ لاستلزامه الدور ، فإنّ الوجوب يتوقّف على العلم به ، والعلم به يتوقّف على الوجوب .
والثاني : هو ما كان القطع بالحكم موضوعاً لمثل ذلك ، كما لو قال : إذا علمت بوجوب صلاة الجمعة فهي تجب عليك بوجوب آخر ، وهذا باطل ؛ لاجتماع المثلين : أحدهما : الوجوب الذي تعلّق به القطع ، والآخر : الوجوب الذي تعلّق هو بالقطع .
الثالث : ما كان القطع بالحكم موضوعاً لحكم ضدّ ذلك ، كما لو قال : إذا علمت بوجوب الجمعة فهي عليك محرّمة ، وهذا باطل ؛ لاجتماع الضدّين الوجوب والحرمة في موضوع واحد .
الرابع : ما كان القطع بالحكم مأخوذاً في موضوع حكم مخالف لمتعلّقه ، كما لو قال : إذا علمت بوجوب الجمعة يجب عليك التصدّق بدرهم ، وهذا من قبيل القطع الموضوعي الممكن .
الخامس والسادس والسابع : هي ما كان القطع بموضوع ذي حكم مأخوذاً في موضوع نفس ذلك أو مثله أو ضدّه ، كما لو قال : إذا علمت بخمريّة مائع فهو محرّم بعين حرمته السابقة أو بمثلها أو هو واجب ، وهذا الثلاثة مستحيلة ؛ للدور واجتماع المثلين والضدّين .
الثامن : ما كان القطع بالموضوع مأخوذاً في موضوع حكمٍ مخالف ، كما لو قال : إذا علمت بخمريّة مائع ، وجب عليك التصدّق بدرهم . وهذا ممكن .
التاسع : ما كان القطع بموضوع بلا حكم مأخوذاً في موضوع أيّ حكم كان ، كما لو قال : إذا علمت بأنّ هذا بول ، يجب عليك الاجتناب عنه ، بناء على كون الحكم مرتّباً على العلم بالبولية لا على الواقع . ثمّ إنّ الانقسام إلى الطريقي والموضوعي يجري في الظنّ أيضاً إلّا أنّ له مزيد بحث ذكرناه تحت عنوانه . انظر اصطلاحات الأصول : ص 222 .