تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١

النظريّة الثانية : الحسن والقبح شرعيّان

ذهبت الأشاعرة من المتكلّمين إلى أنّ العقل عاجز عن إدراك حسن الأفعال وقبحها ، واستدلّوا بعددٍ من الأدلّة منها :

الدليل الأوّل : لو كانا بديهيّين لما اختلف فيهما اثنان

لو كانت قضية الحسن والقبح ممّا يحكم به العقل لما كان فرق بين حكمه في هذه القضيّة وبين حكمه بأنّ الكلّ أعظم من الجزء . ولكنّ الفرق موجود قطعاً ، إذ الحكم الثاني لا يختلف فيه اثنان مع وقوع الاختلاف في الأوّل « 1 » . ونوقش هذا الدليل بما حاصله : أنّ القضايا الستّ اليقينيّة في القياس تتمتّع بالبداهة هي : الأوّليات ، المشاهدات ، التجريبيّات ، الحدسيّات ، المتواترات ، الفطريّات . ومن الواضح وجود التفاوت بين أقسامها ، فهناك فرق بين قولنا : الكلّ أعظم من الجزء ، وقولنا : نور القمر مستفاد من الشمس ! فالأوّل من الأوّليّات ، والثاني من الحدسيات ، وبذلك يظهر أنّ وجود التفاوت لا يضرّ بالبداهة . وأمّا سبب التفاوت فيرجع غالباً إلى وجود الاختلاف بين تصوّر مفرداتها ، مثلًا : كلّ ممكن يحتاج إلى علّة ، حكم بديهيّ ، ومع ذلك فقولنا : الكلّ أعظم من الجزء ، أيضاً بديهيّ ، وسبب الاختلاف يرجع إلى ظهور مفردات الثاني دون الأوّل ، فإنّ الإمكان والحاجة والعلّة أقلّ ظهوراً من الكلّ والجزء والعظم ، فاختلاف المفردات من حيث الظهور والخفاء يورث ظهوراً وخفاءً في المركّب أيضاً . مضافاً إلى ذلك فإنّ غاية ما يثبته الدليل أنّها ليست من الأمور البديهيّة لا أنّها ليست من الأمور العقليّة « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر أصول المظفّر : ج 2 ص 287 . ( 2 ) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : ص 419 .