بحوث تفصيليّة في الحسن والقبح
( 1 ) بحث نظريّ في أنّ الحسن والقبح عقليّان أم شرعيّان ؟
للحسن والقبح معانٍ ثلاثة - وقد وقع اثنان من هذين المعنيين موضع اتّفاق الفلاسفة والمتكلّمين ، أمّا المعنى الثالث فقد وقع موضع خلاف - وهي :
المعنى الأوّل : الحسن بمعنى الملاءمة للطبع ، والقبح بمعنى عدم الملاومة ، من قبيل أن نقول : إنّ هذا المنظر حسن جميل ، وذلك المنظر قبيح ، أو هذا الصوت حسن ، وذلك قبيح ، أي : أنّ الشيء ملائم للطبع ، أو غير ملائم .
المعنى الثاني : الحسن بمعنى الكمال ، والقبح بمعنى عدم الكمال ، من قبيل أن يقال : إنّ العلم حسن ، وإنّ الجهل قبيح ، بمعنى : أنّ العلم فيه كمال للنفس ، بخلاف الجهل .
وهذا المعنيان المتقدّمان موضع الاتّفاق ، فالأشاعرة والمعتزلة يؤمنون جميعاً بإمكان إدراك العقل لهما ؛ خلافاً للمعنى الثالث ، فهو موضع الخلاف .
المعنى الثالث : الحسن بمعنى إدراك : أنّ هذا الشيء أو ذاك ممّا ينبغي أن يفعل ، بحيث لو أقدم عليه الفاعل لكان موضع مدح العقلاء بما هم عقلاء ، والقبح بخلافه .
والإدراك بالمعنى الثالث ، هو الذي يطلق عليه « العقل العملي » ويقابله ما يسمّى ب - « العقل النظريّ » كما تقدّم ، كإدراك العقل : أنّ الكلّ أعظم من الجزء ، وأنّ النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ، وتقدّم في ثنايا الشرح بأنّ العقل النظري والعملي يتّحدان في كونهما إدراكاً للعقل ، لكنّهما يختلفان بلحاظ متعلّق إدراكهما ، فإن كان ممّا ينبغي أن يُعلم سمّي بالعقل النظريّ ، وإن كان ممّا