العقل العملي أيضاً إدراك لما هو واقع ؛ فإنّ العقل ليس له شأن إلّا الإدراك لما هو واقع وثابت في لوح الواقع الأوسع من لوح الوجود ، والحسن والقبح أيضاً أمران ثابتان في لوح الواقع » « 1 » .
فالمراد من الحسن هو الفعل الذي يستحقّ المدح ، أمّا القبح فهو الفعل الذي يستحقّ الذمّ ، وهذا يعني أنّ الحسن والقبح يتعلّقان بالفعل ، فإذا كان الفعل حسناً فهو ممّا ينبغي أن يعمل وأن يفعل من قبل الفاعل ، ويستحقّ الفاعل المدح عليه ، من قبيل : الإحسان والوفاء بالوعد والصدق ونحو ذلك .
وأمّا إذا كان الفعل قبيحاً فلا ينبغي أن يصدر من الفاعل ، ويستحقّ الفاعل الذمّ عليه ، من قبيل : الظلم والخيانة والكذب ونحوهما .
وهاتان الصفتان - أي الحسن والقبح - صفتان للفعل بقطع النظر عن وجود حالات تزاحم أو وجود موانع .
ولا يخفى أنّ الحسن والقبح كغيرهما من الأمور والصفات الواقعيّة الحقيقيّة ، لكنّهما يختلفان عن الأمور الواقعيّة في نقطة .
أمّا نقطة الاشتراك مع الأمور الواقعيّة فهي كون الحسن والقبح صفتين واقعيّتين ، أي لهما واقع قبل إيجادهما في الخارج وقبل أن يصدرا من الفاعل ، ومن الواضح : أنّ العقل يدرك الحسن والقبح في الفعل ذاته قبل صدوره من الفاعل ، وهذا إدراك لما هو كائن وموجود .
ونقطة اختلافهما مع سائر الأمور الواقعيّة الأخرى : هو أنّ العقل يحكم بأنّ هذا الفعل الحسن ينبغي أن يصدر من الفاعل ، وينبغي ألّا يقع الفعل القبيح من الفاعل ، وهذا إدراك لما ينبغي أو لا ينبغي أن يقع .
بعبارة أخرى : إنّ الحسن والقبح يشتركان مع سائر الأمور الواقعيّة
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول : ج 4 ص 400 .