البحث في هذه المسألة حول مدى إدراك العقل للملازمة بين إدراك الحسن والقبح وبين حكم الشارع بالوجوب أو الحرمة .
ولا يخفى : أنّ المراد من الملازمة المذكورة هو لزوم حكم الشارع على طبق إدراك العقل ، بحيث يستحيل عدم حكم الشارع على طبق الحكم العقلي ، كاستحالة وجود المعلول من دون علّة .
الأمر الثاني : الحكم العقلي وأقسامه
لا يخفى أنّ حكم العقل هو الإدراك ، فالعقل إمّا أن يدرك أو لا يدرك ، والمراد من الإدراك العقلي هو الحكم الذي يصدر من قبل العقل بنحو الجزم والقطع واليقين والذي يستند فيه إلى العقل نفسه ، وهو ما يطلق عليه بالمستقلّات العقليّة ، كحكم العقل بحسن شيء أو قبحه ثمّ حكمه بأنّه كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع على طبقه .
لا ريب أنّ الإدراك - الذي هو الحكم العقلي - واحد ، لكنّ متعلّق هذا الإدراك ينقسم إلى قسمين :
القسم الأوّل : الإدراك النظري ، وهو إدراك ما يكون واقعاً وموجوداً ، ويسمّى بالعقل النظري أو الحكم النظري .
القسم الثاني : الإدراك العملي ، وهو إدراك العقل ما ينبغي أن يُعمل أو ما لا ينبغي أن يُعمل ، ويسمّى بالعقل العملي أو الحكم العملي .
وبذلك يتّضح : أنّ المقسم هو إدراك العقل وليس نفس العقل ، فلا يوجد لدينا عقلان ، أحدهما نظريّ والآخر عمليّ ، بل الموجود عقلٌ واحد ، وهو تارة يدرك ما يكون واقعاً ، وتارة يدرك ما من شأنه أن يُعمل .
فالفيلسوف والمتكلّم يعتمدان على العقل النظري في المسائل النظرية التي يعبَّر عنها بالإلهيات بالمعنى الأعمّ ، وكذلك الإلهيات بالمعنى الأخصّ الذي بواسطة العقل يمكن للعبد أن يعرف إلهه وصفاته وأفعاله ، أمّا الفقيه