ويدخل إدراك العقل للمصلحة والمفسدة في الحكم النظري ؛ لأنّ المصلحة ليست بذاتها مقتضية للجري العملي ، ويختصّ الحكم العملي من العقل بإدراك الحسن والقبح .
الأمر الثالث : المصلحة والمفسدة
تقدّم في أبحاث سابقة : أنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها . فالفعل إذا كان فيه مصلحة فسوف يتعلّق به حكم شرعيّ طبقاً لهذه المصلحة ، فإن كانت المصلحة مهمّة وكبيرة ، فسوف يتعلّق بها الوجوب ، وإن لم تكن بدرجة كبيرة من الأهمّية فيتعلّق بها الاستحباب .
وأمّا إذا كان في الفعل مفسدة فيتعلّق به التحريم أو الكراهة تبعاً لدرجة وأهمّية المفسدة . وأمّا إذا لم يكن في الفعل مصلحة ولا مفسدة أو كان واجداً للمصلحة والمفسدة بدرجة واحدة ، فسوف يكون الفعل مباحاً .
وبهذا يتّضح : أنّ المصلحة والمفسدة من الأمور الواقعيّة التي يتّصف بها الفعل ، ولكن هذه المفسدة والمصلحة لا تقتضيان بذاتيهما جرياً عمليّاً على طبقهما ، وذلك لأنّه ليس كلّ مصلحة يجب أن تقع أو ينبغي أن تقع ، وكذلك ليس كلّ مفسدة يجب أن لا تقع أو ينبغي أن لا تقع ، بل يرتبط ذلك بملاحظة وتقدير الشارع وبجعله ، فالشارع لا يوجب على المكلّف كلّ مصلحة ، ولا يحرّم كلّ مفسدة ؛ وذلك لما تقدّم من أنّ الجعل فعلٌ اختياريّ للمولى ، فيجعله إذا تعلّقت إرادته وشوقه ، وبهذا يتّضح : أنّ المصلحة والمفسدة بذاتيهما لا يقتضيان الإيجاب والتحريم ، بل لابدّ من وجود الشوق والإرادة للجعل من قبل المولى .
نعم ، إذا جعل المولى الوجوب والتحريم ، فهو يكشف بالملازمة عن وجود المصلحة والمفسدة في متعلّقيهما .