التنبيه الخامس : عدم ابتناء النزاع على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع
ذكر صاحب الكفاية وجود توهّمين في خصوص هذا التنبيه وهو : ابتناء مسألة الاجتماع وعدمه على تعلّق الأحكام بالطبيعة أو الفرد ، وهذان التوهّمان :
التوهّم الأوّل : أنّ النزاع في مسألتنا يبتني على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع ، فإنّه على هذا القول يقع النزاع في الجواز والامتناع ، وأمّا على القول بتعلّقها بالأفراد فلا مجال للنزاع ، إذ لا يكاد يخفى الامتناع ، ضرورة لزوم تعلّق الحكمين بواحدٍ شخصيّ ولو كان ذا وجهين ، وهذا محال .
التوهّم الثاني : أنّ القول بجواز الاجتماع هنا مبنيّ على القول هناك بتعلّق الأوامر بالطبائع ، لكون متعلّق الحكمين متعدّداً ذاتاً وإن اتّحدا وجوداً ، وأنّ القول بامتناع الاجتماع مبنيّ على القول بتعلّقها بالأفراد ، لكون متعلّقهما شخصاً واحداً في الخارج .
وأجاب صاحب الكفاية عن هذين التوهّمين بأنّ أساس النزاع يبتني على أنّ تعدّد الوجه هل يكفي في دفع غائلة اجتماع الضدّين أم لا ؟ فلو قلنا بأنّ تعدّد الوجه يستلزم تعدّد المعنون فالاجتماع جائز مطلقاً . أمّا بناء على تعلّق الأحكام بالطبائع فواضح ، وأمّا بناء على تعلّقها بالأفراد فلأنّ متعلّق الحكم وإن كان هو الفرد ، إلّا أنّه بما كان ذا وجهين كان مجمعاً لفردين من طبيعتين موجودين بوجود واحد ، أحدهما متعلّق الأمر والآخر متعلّق النهي ، فلا يلزم اجتماع الضدّين .
ولو قلنا بأنّ تعدّد الوجه لا يستلزم تعدّد المعنون فالاجتماع محال ، حتّى على القول بتعلّقهما بالطبائع ، لأنّ الطبيعتين موجودتان بوجود واحد ، والمطلوب هو وجود الطبيعة ، فيلزم اجتماع المتضادّين في واحد ، وهو محال ، وهذا ما ذكره بقوله : « أنت خبير بفساد كلا التوهّمين ؛ فإنّ تعدّد الوجه إن كان يجدي بحيث لا يضرّ معه الاتّحاد بحسب الوجود والإيجاد لكان يجدي ولو على القول بالأفراد ؛