عبارة عن تلك الأفعال من قراءة وركوع وسجود . . . أمّا عنوان الغصب فهو عبارة عن التصرّف في ملك الغير من دون إذنه ، وحيث إنّ العنوانين متغايران في الذهن ، فلا يلزم اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد ، وعلى هذا فإنّ المكلّف إذا صلّى في مكان مغصوب تكون صلاته صحيحة ولا إشكال فيها ، لكنّه يكون عاصياً من جهة أنّه غاصب ؛ لأنّ هذا الفعل وإن كان واحداً حقيقة لكنّه ينطبق عليه عنوانان متغايران هما الصلاة والغصب .
والوجه في أنّ تغاير العنوان يكفي في حلّ المشكلة : هو أنّ الأحكام تتعلّق بالعناوين والصور الذهنيّة ولا تتعلّق بالوجود الخارجي ، فالأمر يتعلّق بعنوان الصلاة بما فيه من حبّ وشوق ومصلحة ، أمّا النهي فهو يتعلّق بعنوان الغصب بما يتضمّنه من حرمة ومفسدة ومبغوضيّة ، وحيث إنّ العنوانين متغايران ، فلا تتّحد مبادئ الأمر والنهي على عنوان واحد .
إن قيل : ما وجه تعلّق الأحكام بالصورة الذهنيّة وعدم تعلّقها بالوجود الخارجي ؟
فالجواب : تقدّم في مبحث القضايا الحقيقيّة والخارجيّة وذكرنا هناك أنّ الحكم لابدّ أن ينصبّ على الصورة الذهنيّة ولا يمكن أن ينصبّ على الموضوع الحقيقيّ الموجود في الخارج ؛ وذلك لأنّ الحكم عبارة عن أمر ذهنيّ ، والأمر الذهني لا يمكن أن يتعلّق إلّا بما هو في الذهن وهو الصورة الذهنيّة .
ولو تعلّق الحكم بالشيء الخارجي مباشرة للزم عدّة محاذير ؛ منها :
1 . أنّه يلزم عدم ثبوت وجوب الصلاة على المكلّف - مثلًا - قبل إتيانه بالصلاة ؛ لأنّه لو كان الوجوب ثابتاً قبل الإتيان بالصلاة ، للزم ثبوت الحكم بلا موضوع ، وهو محال كما تقدّم في محلّه .
2 . إن الحكم داعٍ إلى إيجاد متعلّقه وهو الموضوع الخارجي ، وحيث إنّ الحكم متوقّف على تحقّق موضوعه ، فيلزم التقدّم والتأخّر أو التهافت .
شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 108
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٠٨