إلى المكلّف خطاب . فتوجيه الخطاب يتنافى مع الاضطرار بسوء الاختيار . فمن رمى نفسه من شاهق ، لا يتوجّه إليه - في أثناء المباشرة بالسقوط - خطاب : ( لا ترم بنفسك ) ، لأنّه لغوٌ صرف . نعم ، للشارع أن يُعاقبه .
وبهذا يتّضح أنّ الفرق بين الاضطرار بسوء الاختيار ، والاضطرار لا عن اختيار ، ينحصر في الإدانة في الأوّل ، وعدمها في الثاني ، وأمّا بالنسبة إلى التكليف وتوجّه الخطاب ، فكما لا يُمكن أن يتوجّه الخطاب للعاجز لا بسوء اختياره ، فكذلك لا يمكن أن يتوجّه إليه ، وإن كان بسوء اختياره ؛ لأنّ المانع في الحالتين واحد ، وهو العجز وعدم القدرة ليس إلّا ، ولا يعقل تكليف العاجز .
قال الآخوند الخراساني ( رحمه الله ) : « إنّ مناط حكم العقل باعتبار القدرة إنّما هو قبح تكليف العاجز ، وهذا إنّما يكون إذا كان الشخص عاجزاً بنفسه وبذاته ، بحيث لا يكون له إلى الفعل سبيلٌ ، كالطيران في الهواء ، فإنّ التكليف بمثل هذا قبيحٌ على المولى كما يقبح العقاب منه عليه .
وأمّا إذا لم يكن الشخص عاجزاً بنفسه وبذاته ، بل هو عجّز نفسه بسوء اختياره وسلب عنه القدرة ، ففي مثل هذا لا يحكم العقل بقبح عقابه وإن قبح تكليفه بعد عجزه ، ولا ملازمة بين قبح التكليف وقبح العقاب ، فإنّ قبح التكليف لمن عجّز نفسه إنّما هو لمكان لغويّة التكليف ، حيث لا يصلح أن يكون التكليف محرّكاً وباعثاً نحو الفعل ، وهذا بخلاف العقاب فإنّه لا يقبح عقابه بعد ما كان الامتناع بسوء اختياره .
وهذا معنى ما يقال : إنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، فإنّه إنّما لا ينافيه عقاباً لا خطاباً » « 1 » .
هامش
( 1 ) فوائد الأصول ، الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني : ج 1 - 2 ص 197 .