إلى هذا الخلاف السيّد الخوئي ( قدس سره ) حيث قال : « وفي مقابل هذا القول ادّعى جماعةٌ منافاته للاختيار عقاباً وخطاباً . أمّا الخطاب فهو واضح ؛ لأنّه لغوٌ صرف . وأمّا العقاب ؛ فلأنّه عقابٌ على غير مقدورٍ ، وهو قبيح عقلًا » « 1 » .
والحقّ : أنّه لا مانع من العقاب ؛ لأنّ المكلّف كان متمكّناً في بداية الأمر أن لا يجعل نفسه مضطرّاً إلى ارتكاب الحرام ، فلو جعل نفسه كذلك بسوء اختياره وارتكب الحرام ، حكم العقل باستحقاقه العقاب لا محالة ؛ لأنّه منتهٍ إلى اختياره ، ومن الطبيعي أنّ العقل لا يفرّق في استحقاق العقاب على فعل الحرام بين كونه مقدور الترك بلا واسطة ، أو معها ، وإنّما يحكم بقبح استحقاقه على ما لا يكون مقدوراً له أصلًا .
فتحصّل : أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً . وسيأتي تفصيل البحث في مبحث اجتماع الأمر والنهي .
الجهة الثانية : الاضطرار بسوء الاختيار بلحاظ مرحلة الخطاب
وقع بحثٌ بين علماء الأُصول في أنّ الإنسان الذي عجّز نفسه ، هل يوجد في حقّهِ خطابُ : ( صلِّ ) - مثلًا - أم لا يوجد ؟ وهل العجز وعدم القدرة ينافي الخطاب أم لا ينافيه ؟
ذهب مشهور الأُصوليين إلى المنافاة ؛ باعتبار أنّ الخطاب فيه داعي البعث والتحريك ، والمضطرّ لا يستطيع أن يتحرّك ، لأنّه - حسب الفرض - قد عجّز نفسه ، فلا معنى حينئذٍ لتوجّه الخطاب إليه . ومن هنا اشتهر على ألسنة علماء الأُصول : ( أنّ الاضطرار بسوء الاختيار ينافي الخطاب ) ، بمعنى : أنّ العجز وعدم القدرة الناشئ من العصيان أو التعجيز أو العلم بطروّ المعجّز مع التماهل عن الامتثال حتّى طرأ المعجز ، يكون مسقطاً للتكليف ، أي : لا يتوجّه
هامش
( 1 ) المصدر السابق .