والوجه في ذلك هو أنّ المصلحة والمفسدة من الأمور التكوينيّة التي يتّصف بها الفعل ، ومن الواضح أنّ المصلحة والمفسدة موجودتان سواء كان المكلّف قادراً على الفعل أم كان عاجزاً ، والإرادة ليست هي إلّا شوق المولى الحاصل من ذلك الملاك ، وعليه فيمكن تقييد الشوق بالقدرة ويمكن إطلاقه وعدم تقييده بالقدرة ؛ وذلك لأنّ الشوق يمكن أن يتعلّق بالمستحيل بالذات كتعلق الشوق باجتماع الضدّين أو النقيضين ؛ إذ لا مانع من حبّ اجتماع النقيضين أو بغضه ، كما يمكن تعلّقهما بالممتنع بالعرض ، كما في الموارد التي لا يستطيع الإنسان الإتيان بها لعجزه ومحدوديّته .
وإذا تبيّن هذا نقول : إنّ كلّ حالة تكون القدرة شرطاً في الملاك ، ويأخذها الشارع قيداً فيه ، تسمّى قدرةً شرعيّة ، فالملاك مقيّد بالقدرة ، ويكون انتفاء الحكم عن العاجز لعدم وجود المقتضي والملاك في حقّه أصلًا .
ولا يخفى أنّ وجه التسمية بالقدرة الشرعيّة في هذه الحالة ، هو لأنّ القدرة إذا كانت شرطاً في الملاك والإرادة ، فهذا يعني : أنّ الشارع هو الذي اشترط القدرة في الملاك والإرادة ؛ لأنّ الملاك والإرادة بذاتهما ليس آبيين عن اشتراط القدرة أو عدم اشتراطها ، لذا أطلق عليها بالقدرة الشرعيّة ؛ لأنّ الشارع هو الذي لاحظها في الملاك والإرادة .
وأمّا إذا لم يأخذ الشارع القدرة قيداً في الملاك ، فيكون عدم وجوب إتيان العاجز وغير القادر بالتكليف لوجود المانع ، وتسمّى مثل هذه القدرة بالقدرة العقليّة .
المورد الرابع : شرطيّة القدرة في مرتبة الاعتبار
وأمّا بالنسبة إلى اشتراط القدرة في مرتبة جعل الحكم والاعتبار ، فهو مبنيّ على بيان حقيقة الاعتبار وكيفيّة لحاظه ، وهاهنا لحاظان :
اللحاظ الأوّل : لحاظ الاعتبار بما هو اعتبارٌ وكاشف عن الملاك والإرادة ،