ببيان آخر : في مرحلة الإدانة تكون القدرة شرطاً فيها ؛ إذ لا يعقل للمولى أن يُدين شخصاً ويُحمّله المسؤوليّة وهو غير قادر ؛ لأنّ ذلك قبيح عقلًا ، فمن القبيح أن يأمر المولى عبده العاجز بالطيران إلى السماء ، ثم يُدينه ويُعاقبه على عدم الامتثال . نعم ، لو أمر العبدَ بشيءٍ مقدورٍ له ، كما لو قال له : ( صلّ ) ، ولم يمتثل العبد ، فلم يأتِ بالصلاة ، وكان قادراً على الإتيان بها ، فله أن يعاقبه . وعقابه حينئذٍ حسنٌ . إذن ، القدرة شرط في الإدانة ، بمعنى : أنّه لو لم تكن قدرة ، فلا مسؤوليّة ولا إدانة ولا عقاب على المخالفة .
المورد الثاني : شرطيّة القدرة في مرتبة الملاك
أمّا بالنسبة إلى المرتبة الأولى : وهي مرتبة الملاك فنسأل : هل العجز الطارئ أو الموجود من الابتداء ، يرفع الملاك بحيثُ يكون تكليف العاجز حينئذٍ تكليفاً بلا مقتضٍ - باعتبار أنّ المقتضي للتكليف هو الملاك - أم أنّ الملاك لا يرتفع بالعجز ، فيكون عدم تكليف العاجز لطروّ المانع لا لعدم المقتضي ؟
في مقام الجواب نقول : إنّ الملاك أمرٌ تكوينيٌّ مرتبطٌ بالفعل ، فقد تكون في هذا الفعل مصلحةٌ حتّى مع العجز ؛ إذ من الممكن - مثلًا - أن توجد مصلحةٌ في التكليف بالصلاة في الهواء ، رغم عدم قدرة المكلّف على الإتيان بها . وهذا يعني أنّ الملاك غير آبٍ عن التواجد حتّى مع صورة العجز وعدم القدرة . فإذا أريد من التكليف مرتبة الملاك ، فالقدرة ليست شرطاً فيه ؛ لأنّ الملاك قد يوجد حتّى في صورة العجز .
المورد الثالث : شرطيّة القدرة في مرتبة الإرادة
أمّا بالنسبة إلى مرتبة الإرادة فلا إشكال أيضاً في إمكان تعلّقها بأمرٍ غير مقدور ، وذلك لأنّ الإرادة : هي الحبّ الناشئ من وجود الملاك والمصلحة ،