تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
فإذا كان الملاك قابلًا أن يتعلّق بغير المقدور - كما قلنا - فكذلك حال الإرادة ، بمعنى أنّها يُمكن أن تتعلّق بغير المقدور والمستحيل أيضاً ، سواء كان مستحيلًا ذاتيّاً أم بالغير ؛ حيثُ إنّ المستحيل على قسمين : الأوّل : المستحيل الذاتيّ ، أي : أنّه لا يمكن أن يتحقّق ذاتاً ، كاجتماع النقيضين . الثاني : المستحيل بالغير ، وهو المعبَّر عنه بالممتنع بالغير ، كعدم وجود المعلول عند عدم علّته التامّة ، فإنّ وجوده عند عدم علّته مستحيلٌ إلّا أنّه مستحيل بالغير لا ذاتاً ؛ بدليل أنّه يوجد عند وجود علّته . ولو كانت استحالته ذاتيّة ، لامتنع وجوده على كلّ حال . ولا فرق في إمكان تعلّق الإرادة بغير المقدور والمستحيل بكلا قسميه ، ومنه يظهر أنّ القدرة ليست شرطاً في الإرادة .

القدرة الشرعيّة والقدرة العقليّة

ذكرنا أنّ القدرة شرطٌ ضروريٌّ في التكليف ، واتّضح - إلى هنا - أنّ مركز اشتراط القدرة في التكليف ليس هو الملاك ولا الإرادة ، ولكن هذا لا يعني أنّ القدرة لا تكون شرطاً في الملاك والإرادة في بعض الأحيان ، فإنّهما يمكن أن يكونا مقيّدين بالقدرة ويمكن أن يكونا مطلقين وغير مقيّدين . ومبادئ الحكم إذا كانت مطلقة ولم يقيَّد الملاك والإرادة في التكليف بالقدرة ، فإنّ هذا يعني أنّ الملاك والإرادة يشملان العاجز ، إلّا أنّ عجزه يمنعه عن أداء التكليف . وبعبارة أخرى : إنّ المقتضي في أداء التكليف موجودٌ ولكنّ المانع غير مفقود ، فيكون عدم إتيان العاجز بالتكليف لأجل وجود المانع لا لأجل عدم المقتضي . وأمّا إذا كانت مبادئ الحكم مقيّدةً ومختصّةً بحالة القدرة فقط ، فهذا يعني أنّ العاجز لا وجود للملاك والإرادة في حقّه ، ومن ثمّ لا يجب عليه الامتثال ، وعدم وجوبه ناشئٌ من عدم وجود المقتضي أساساً لا لأجل وجود المانع .