الشرح
تقدّم في شرح البحث السابق : أنّ للتكليف مراتب أربعاً ، وفي هذا المبحث نحدّد محلّ اشتراط القدرة ، وأنّه في أيّ مرتبة من هذه المراتب . وبعبارة أخرى : إذا كانت القدرة شرطاً في التكليف بحيث لا يكلّف المولى العاجز ، فهل شرطيّتها داخلةٌ في جميع مراتب التكليف ، أم أنّها شرط في مرتبةٍ دون أخرى ؟ هذا ما نريد أن نبحثه في المقام ، فالبحث - إذن - يقع في أربعة موارد :
المورد الأول : شرطيّة القدرة في مرتبة الإدانة
تقدّم أنّ الإدانة تعني المسؤوليّة والتنجّز واستحقاق العقاب على المخالفة . من هنا نسأل : هل الإدانة والمؤاخذة - بشكل مطلق - شاملةٌ للقادر والعاجز أم أنّها مختصّةٌ بالقادر ؟ وبعبارة أعمق : هل للمولى حقّ الطاعة على العاجز ، فإذا لم يمتثل يُدينه ويُؤاخذه أم ليس للمولى ذلك ؟
وفي مقام الجواب نقول : ليس للمولى حقّ الطاعة على العاجز ، فالعاجز لا يُدان ، لعدم شمول حقّ الطاعة لمثله ؛ لأنّ إدانة المولى للعاجز إمّا عن جهلٍ أو ظلمٍ له ، تعالى الله عنهما علوّاً كبيراً .
توضيح ذلك : إنّ المولى إمّا أن يكون عالماً بعجز المكلّف أو لا .
فعلى الثاني يلزم الجهل ، وهو محالٌ بحقّ المولى ، كما ثبت في محلّه .
وعلى الأوّل إمّا أن يُعاقبه أو لا .
وعلى الأوّل يلزم الظلم ، وعلى الثاني يثبت المطلوب ، وهو نفي العقاب والإدانة عن العاجز .
فتحصّل : أنّ العاجز في مرتبة الإدانة والمسؤوليّة لا يُدان ، وأنّ القدرة شرطٌ في الإدانة .