قال : « صلّ في المسجد » وحصل ب - « في » فردٌ من التضييق ، يمكنه أن يقول : « إن كنت متطهّراً » فيُدخِل عليه تضييقاً ثانياً . . . وهكذا . . . إذن : لا مانع من رجوع القيد إلى الهيئة بناءً على هذا المسلك .
وهذا ما أشار إليه بقوله : « يندفع أوّلًا : بما حقّقناه في مبحث المعنى الحرفي « 1 » من أنّ الحروف لم توضع للمعاني الجزئيّة الحقيقيّة حتّى لا تكون قابلةً للتقييد ، وإنّما وضعت للدلالة على تضييق المعاني الاسميّة وتخصيصها بخصوصيّةٍ ما ، ومن الواضح أنّ المعنى الاسمي بعد تخصيصه وتضييقه أيضاً قابلٌ للانطباق على حصصٍ وأفرادٍ كثيرة في الخارج ، وذلك كما إذا كان أحد طرفي المعنى الحرفي كلّياً أو كلاهما ، مثل قولنا : سر من البصرة إلى الكوفة ، فانّ السير كما كان قبل التضييق كلّياً قابلًا للانطباق على كثيرين ، كذلك بعده ، فعندئذٍ بطبيعة الحال يصير المعنى الحرفي كلّياً بتبعه « 2 » .
الثاني : أنّ طلب إكرام زيد ليس مقيَّداً بمجيء زيد ، وإنّما هذا الطلب منوطٌ بمجيئه ، وفرقٌ بين باب الإطلاق والتقييد ، وباب التعليق والتنجيز . وهذا ما أشار إليه بقوله : « وثانياً : أنّ التقييد على قسمين ، الأوّل : التقييد بمعنى التضييق والتخصيص ، وفي مقابله الإطلاق بمعنى التوسعة . الثاني : بمعنى التعليق ، وفي مقابله الإطلاق بمعنى التنجيز ، وعليه فلو سلّمنا أنّ المعنى الحرفي جزئيٌّ حقيقيّ ، إلّا أنّ الجزئي الحقيقي غير قابلٍ للتقييد بالمعنى الأوّل ، وأمّا تقييده بالمعنى الثاني فهو بمكانٍ من الوضوح ، بداهة أنّه لا مانع من تعليق الطلب الجزئي المنشأ بالصيغة أو بغيرها على شيء ، كما إذا علّق وجوب إكرام زيدٍ مثلًا على مجيئه حيث لا محذور فيه أبداً » « 3 » .
هامش
( 1 ) انظر المحاضرات : ج 1 ص 83 ، وما بعدها .
( 2 ) محاضرات في أصول الفقه : ج 2 ص 143 .
( 3 ) المصدر السابق .