أمّا القدرة الشرعيّة المتقدّمة في الحلقة الثانية فالمراد بها أن تكون القدرة دخيلةً في الملاك والمبادئ والشوق المولوي ، أي : القدرة التي لها دخلٌ في ترتّب الملاك والإرادة ، بحيث لا يوجد ملاكٌ وإرادةٌ لولا وجود هذه القدرة ، ويمكن التمثيل لذلك بردّ السلام فإنّه يكون ذا مصلحةٍ ومحبوباً لو كان المكلّف قادراً على ردّ السلام ، أمّا مع عدم القدرة فلا مقتضى للمصلحة والمحبوبيّة .
وكذلك في أكل الميتة - مثلًا - فإنّه إنّما يكون ذا مفسدةٍ ومبغوضاً لو كان مقدوراً ، أمّا مع عدم القدرة على تركه فإنّه لا مقتضي لاشتماله على المفسدة والمبغوضيّة .
وأمّا القدرة العقليّة ، فهي التي ليس لها دخالة في الملاك والمبادئ ، أي : يكون الملاك ثابتاً حتّى مع عدم القدرة ، من قبيل الصلاة ، فإنّ مصلحة الصلاة ومحبوبيّتها غير منوطٍ بالقدرة على الصلاة ، فسواءٌ كان المكلّف قادراً على الصلاة أم لم يكن قادراً ، فإنّ الصلاة تظلّ محتفظةً بالمصلحة والمحبوبيّة .
وكذلك من قبيل : قتل النفس المحترمة فإنّ مفسدة قتل النفس المحترمة ومبغوضيّته غير منوطٍ بالقدرة على القتل ، فسواءٌ كان قادراً على قتل النفس المحترمة أم لا ، فإنّ قتل النفس المحترمة يبقى على ما هو عليه من مفسدةٍ ومبغوضيّة .
وبهذا ينتهي البحث عن الترتّب وعن اشتراط القدرة التكوينيّة بالمعنى الأعمّ في التكليف .
تطبيقٌ فقهيّ للمسألة
من التطبيقات الفقهيّة لهذه المسألة : لو كان عند المكلّف ماءٌ يكفي إمّا للوضوء ، وإمّا لرفع العطش عن نفس محترمة ، فالأوّل - وهو الوضوء -