وإذا كان التعارض يختلف بجوهره عن التزاحم فمرجّحات الأوّل غير مرجّحات الثاني ، أمّا الأوّل فبما أنّ التعارض هناك يرجع إلى مقام الجعل والتشريع ، فتمييز الصادق عن الكاذب رهنُ المرجّحات التي يذكرها الشارع لتلك الغاية وليس للعقل إليها سبيل ، وأمّا مرجّحات باب التزاحم فبما أنّ التنافي خارجٌ عن مصبّ التشريع ولا صلة له بالشارع وإنّما يرجع إلى قصور قدرة المكلّف عن الامتثال ، فللعقل سبيلٌ إلى تعيين المرجّحات وهو تقديم الأهمّ بالذات أو بالعرض على غيره .
وعناوين تلك المرجّحات عبارة عن الأمور التالية :
تقديم ما لا بدل له على ما له بدل .
تقديم المضيَّق على الموسَّع .
تقديم الأهمّ بالذات على المهمّ .
سبق أحد الحكمين زماناً .
تقديم الواجب المطلق على المشروط .
وإذا تبيّنت هذه المقدّمة يتّضح التضادّ بين الواجبين بسبب عجز المكلّف عن الجمع بينهما ، كالصلاة وإزالة النجاسة عن المسجد يدخل في باب التزاحم وليس في باب التعارض ؛ وذلك لأنّه بناءً على إمكان الترتّب فإنّ الواجبين المتضادّين - من قبيل الصلاة والإزالة - لا يدخلان في باب التعارض ، بل يكونان متزاحمين ؛ لأنّه لو كانا متعارضين لكانا متنافيين في مقام الجعل على نحوٍ لا بمكن ثبوتهما معاً ، لكنّ الحال أنّا لا نجد تنافياً بين دليلي الصلاة والإزالة ؛ لأنّ أحدهما لا ينفي الآخر ، وعليه لا يوجد مانعٌ من جعل المولى لهذين التكليفين ، بنحوٍ يكون أحدهما مقيّداً بعدم امتثال الآخر ، إذا كانا متساويين في الأهميّة ، أو يجعل الأمر بالمهمّ مقيّداً بعدم الاشتغال الأمر بالأهمّ ، كما لو جعل الأمر بالصلاة مقيّداً بعدم الاشتغال بإزالة النجاسة ، فلو عَصى المكلّفُ الأمرَ
شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 154
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٥٤