تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
بعد امتثال الأوّل على امتثال الثاني ، فيكون سقوط التكليف الثاني بسبب انتفاء موضوعه وهو القدرة ، وهذا لا يتّصل بأصل جعله وصدوره لبيان الحكم الواقعي ؛ لأنّ الأحكام مجعولةٌ على موضوعاتها المقدّرة الوجود ، فحينما لا يكون الموضوع متحقّقاً خارجاً ، لا يكون الحكم المجعول فعليّاً . فالتزاحم إذن يوجب انتفاء فعليّة أحد الحكمين بسبب اقتضائه لانتفاء موضوعه ، وهذا بخلاف التعارض فإنّ الحكم في كلّ دليلٍ ينفي الحكم في الدليل الآخر حتّى لو اتّفق تحقّق موضوعه خارجاً ، وحتّى لو كان المكلّف قادراً على الجمع بين مؤدّى الدليلين المتعارضين ، كما في بعض حالات التعارض العرضي التي يمكن للمكلّف أن يصلّي الجمعة والظهر ، وأمّا في فرض التزاحم فإنّ هذه الحالة لا تتّفق أصلًا . ثمّ إنّ هنا منبّهاً آخر على الفرق بين التزاحم والتعارض ، فالتزاحم يختلف باختلاف المكلّفين ، فقد يتّفق أن يكون المكلّف قادراً على الجمع بين التكليفين فلا تكون أحكام التزاحم جاريةً في حقّه ، بخلاف مكلّفٍ آخر كانت قدرته أضيَق من أن يجمع بين تكليفين ، فالمكلّف الأوّل - مثلًا - قادرٌ على أن يجمع بين امتثال وجوب النفقة على الزوجة ووجوب النفقة على الأب ، وأمّا الآخر فإنّه لا يقدر على الجمع بين الوجوبين ، كما قد تنعكس الحالة فيصبح القادر عاجزاً والعاجز قادراً ، وهذا يعني أنّ حالة التزاحم قد لا تظلّ مطّردة في المكلّف الواحد ، فقد تعرضه ثمّ تزول عنه ثمّ تعرضه وهكذا ، فتكون أحكام التزاحم جاريةً في حقّه متى ما طرأت حالة التزاحم عليه ، ومتى ما زالت يكون مسؤولًا عن الجمع بين التكليفين . وأمّا التعارض فليس كذلك ، إذ إنّ ترجّح أحد الدليلين لا يختلف باختلاف المكلّفين ، فلو كان المرجّح مقتضياً لتقديم الدليل الأوّل على الآخر فإنّ ذلك يكون مطرداً في تمام الأزمنة ولتمام المكلّفين .