وإن كان الأمر بالأهمّ مطلقاً ، فهو يستحيل أن يكون منافياً للأمر بالمهمّ ؛ لأنّ المطلق مطلوبٌ على كلّ حال ، سواء امتثل المكلّف الضدّ الآخر وهو الواجب المهمّ ( الصلاة ) أم لم يمتثل ، فإذا امتثل المكلّف الأمر بالأهمّ ينتفي شرط الأمر بالمهمّ كما تقدّم .
لكنّ الواجب الأهمّ وإن كان مطلقاً ، إلّا أنّه لا يعني أنّه يدعو إلى عدم امتثال الأمر بالمهمّ والابتعاد عن المهمّ بقطع النظر عن امتثال نفسه ؛ لأنّ الأمر بالأهمّ بقطع النظر عن امتثال نفسه لا يكون مبعِّداً عن امتثال الأمر بالمهمّ ، وعند امتثال نفسه ينتفي شرط وجوب المهمّ ( الصلاة ) ، بمعنى : أنّ أصل الوجوب المشروط ( المهمّ ) ينتفي بانتفاء شرطه ، لا أنّ الأهمّ ينفي وجوب المهمّ مع حفظ أصل الوجوب المشروط وحفظ شرطه ، وهذا النحو من النفي لا يرفضه ولا يأباه الوجوب المشروط ، وهو وجوب المهمّ ؛ لأنّ الوجوب المشروط يرفض ويأبى نفي امتثال نفسه مع حفظ شرطه ونفسه ، لكنّ الوجوب المشروط يستحيل أن يدعو إلى حفظ ذاته وشرطه .
وهذا ما ذكره المحقّق النائيني بقوله : « فاعلم : أنّه يترتّب على ما ذكرناه ( من الفرق بين تقديري الفعل أو الترك المطالب به بالخطاب أو بنقيضه وبين سائر التقادير ) طوليّة الخطابين ، وخروجهما من العرضيّة ؛ وذلك لأنّ خطاب الأهمّ حينئذٍ يكون متعرّضاً لموضوع خطاب المهمّ وطارداً ومقتضياً لهدمه ورفعه في عالم التشريع ؛ لأنّ موضوع خطاب المهمّ هو عصيان خطاب الأهمّ وترك امتثاله ، وخطاب الأهمّ دائماً يقتضي طرد الترك ورفع عصيانه ؛ لأنّ البعث على الفعل يكون زجراً عن الترك ، فخطاب الأهمّ يقتضي طرد موضوع المهمّ ورفعه . وأمّا خطاب المهمّ فهو إنّما يكون متعرّضاً لحال متعلّقه ولا تعرّض له لحال موضوعه ؛ لأنّ الحكم لا يتكفّل حال موضوعه من وضعٍ أو رفع ، بل هو حكمٌ على تقدير وجوده ومشروطٌ به ، ولا يخرج عن هذا
شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 135
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٣٥