هذا ما أمكن إيجازه فيما يتعلّق بالأدلّة الثلاثة المتقدّمة ، وإنّما الكلام يقع في الدليل الرابع والمتمثّل بالأدلّة الخاصّة والتي يمكن تقسيمها على مستويين ؛ الأوّل : الدليل القرآني ، والثاني : الدليل الروائي .
المستوى الأوّل : الدليل القرآني على حرمة الانتفاع
استُدلّ بعدّة آيات قرآنيّة على حُرمة الانتفاع وقد ارتأينا الوقوف عند واحدة منها مشيرين بها إلى الآيات الأخرى ؛ نظراً لاتّحاد النكتة ووحدة الاستدلال ، والآية هي قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ ( المائدة : 3 ) .
والذي يظهر بدواً : أنّ التحريم هنا قد تعلّق بالأعيان المذكورة في الآية الكريمة حيث قالت « حرّمت عليكم الميتة و . . . » ، مع أنّه لا معنى لتعلّق الحرمة بنفس العين - كما عرفنا ذلك - ولذا فلابدّ من تقدير شيء ، وهو : أكل الميتة أو الانتفاع بالميتة أو التكسّب بالميتة أو غير ذلك .
ومن هنا نجد صاحب مفتاح الكرامة يقول : « وقد استدلّ على تحريم الانتفاع بالميتة : الطبرسيُّ ، والبيضاويُّ ، والراونديُّ في أحد وجهيه ، والمرتضى في ظاهر الانتصار ، والمصنّف في التذكرة ونهاية الأحكام والمنتهى والمختلف ، وولده في شرح الإرشاد ، وغيرهم بقوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ » « 1 » .
أمّا كيفيّة الاستدلال بالآية على حرمة جميع الانتفاعات والتقلّبات فإنّه قد أجاب صاحب المفتاح : إنّ الحرمة لا معنى لتعلّقها بالعين الخارجيّة وإنّما لابدّ من التقدير ، وإنّ أقرب التقديرات هي حرمة منافع هذه الأمور ، ولذا يقول ( رحمه الله ) في مفتاحه : « لأنّ التحريم لا يتعلّق بالأعيان حقيقةً فتعيّنَ المجاز ، وأقرب المجازات : تحريم جميع وجوه الاستمتاعات والانتفاعات ، وحكاه في
هامش
( 1 ) مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة للسيّد محمّد جواد العاملي : ج 4 ص 19 .