أنّ الله تعالى قد سخّر للإنسان كلَّ شيء خلقه ، وجعل خلائقه الأخرى في خدمة مسيرة الإنسان ، قال تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً . . . ( البقرة : 29 ) ، والإطلاق هنا واضح ، حيث تدخل الميتة ضمن ذلك لأنّها لم تُحدّد لنا كونه حيّاً ، فيشمل بذلك حتّى الميت .
وعليه فكلّ ما هو موجود وتحمله الأرض ، فهو مُسخّر في خدمة الإنسان ويستطيع الإنسان أن يستفيد من كلّ ذلك ومن الآيات الأخرى ؛ نحو قوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ . . . ( الجاثية : 13 ) ، وهذه الآية لا تكتفي بما في الأرض وإنّما تُدخل ما في السماوات أيضاً ، وأيضاً قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ . . . ( الحجّ : 65 ) .
وعليه فما دام كلّ شيء مسخّراً للإنسان ، فإنّه ينبغي أن ينتفع الإنسان به . ومع عدم الانتفاع به ، لا يبقى معنىً لكونه مسخّراً ، فالحيوان - مثلًا - في حياته مسخّر للإنسان ؛ بحسب ما أعطي من إمكانيّة الانتفاع به ، وعندما يذكّى - إذا كان قابلًا لذلك - فإنّه تحصل منه فوائد أخرى مسخّرة للإنسان أيضاً ، وإذا فارقته الحياة بصورة غير شرعيّة فإنّه سوف تكون له فوائد أخرى مسخّرة للإنسان أيضاً .
بحث الميتة في مقامين
إذن فالأصل في القرآن ، هو : أنّ كلّ شيء مباح للإنسان إلّا إذا دلّ دليل على الخروج من هذا الأصل ، ولذلك عندما بحث الأعلام في الميتة فإنّهم قسّموا بحثهم إلى مقامين تبعاً للأدلّة التي تعرّضت لذلك .
المقام الأوّل : بحث جواز الانتفاع بالميتة وأجزائها التي تحلّها الحياة أو عدم جواز ذلك تكليفا لا وضعاً ؛ فإذا ما ثبت جواز الانتفاع فإنّه سوف يترتّب على ذلك القول بجواز التكسّب وضعاً .