ولا يقال بأنّ الجواز إنّما يكون من باب الاضطرار ، فقد قلنا : إنّنا لسنا بصدد العناوين الثانوية ، لأنّ العناوين الثانوية تقول يجوز أكله وشربه ، ومن الواضح أنّنا بصدد إثبات جواز التكسّب بالخمر ، لا إثبات جواز شربه .
من هنا يتّضح قصور إثبات الحرمة لمطلق بيع الخمر في رواية اللعن ، فالرواية لعنت عاصر الخمر ؛ لأنّه عصرها لتكون خمراً ، فإذا عصرها لأجل أن تكون خلّا فصارت خمراً ثمّ انقلبت خلّا ، فمثل هذا العاصر لا يكون مشمولًا لذلك اللعن ؛ وبنفس النكتة نقول : إنَّ من باع الخمر لأجل شربه يكون ملعوناً ، أمّا إذا باعها لأجل أن تكون خلّا أو يُصنع منها الخلّ ، فهل يكون مشمولًا للّعن كبائعها لتكون خمراً ؟ فهنا يُمكن القول باختلاف الصورتين والنتيجتين .
بعبارة أُخرى : « فلو فُرض أنّ العصير المغليّ بنفسه صار خمراً ، ثمّ صار خلّا ، فعصَره عاصرٌ للتخليل ، فهل يمكن أن يُقال : إنّه ملعون بلسان رسول الله ( ص ) لأنّه عصر ما يصير خمراً ولو صار خلّا بعده ، وكان عصره للخلّ ، لا أظنّ بأحد احتماله . . . » « 1 » .
هذا ما أفاده السيّد الخميني فيما يتعلّق بالطائفة الأولى من الروايات « 2 » .
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : ج 1 ص 28 .
( 2 ) جدير بالذكر : أنَّ ما أفاده السيّد الخميني ( رحمه الله ) غير خفيّ ما فيه ؛ إذ نحن بصدد إثبات حرمة التكسّب بالخمر ، لا بشيءٍ سوف يصير خمراً ثمَّ خلّا ؛ فموضوع البحث هو وجود الخمر ، حيث يُقال فيه : هل يجوز بيعه ؟ لا أن يكون هنالك عنب أو تمر أو ما شابه ذلك ، كما هو المستفاد من عبارته ( رحمه الله ) ؛ ثمّ إذا أمكن استفادة عدم شموليّة اللعن لمن عصرها لتكون خلّا ، فإنّ هذا لا يمكن تطبيقه على بائعها ليُصنع منها الخلّ ، فهذا فضلًا عمَّا فيه شمَّة من القياس الفقهيّ الممنوع ؛ فإنَّ الموضوع مختلف فيهما تماماً ؛ ففي الأوّل لم يعصر العاصر خمراً ليكون خلّا ، إذ لا معنى لعصر الخمر ؛ وإنّما الصحيح هو أنّه عصر شيئاً يمكن أن يكون خمراً ، لا أنّه خمر بالأساس ، في حين في صورة البيع يُوجد عندنا خمرٌ حقيقةً .