والأكثرون خصّوا العمليات باسم الفقه ، والاعتقاديات بعلم التوحيد » « 1 » .
وبعد أن وضح الكلام الإجمالي في ملاك الانقسامات أعلاه ، ووضح الكلام في حقيقة منكر الضروري أيضاً ، وأنّ هناك اتجاهين أساسين في حقيقة دليليّته ، اتجاه ذهب إلى عدّه سبباً مستقلًا للكفر ؛ واتجاه ذهب إلى عدم ذلك ، بل يُحكم على صاحبه بالكفر إذا آل لإنكار النبوة والرسالة ، بعد ذلك كلّه لا بأس بأن نطبّق هذا المبنى على الأمور العمليّة أوّلًا ، وعلى الأمور العقديّة ثانياً ؛ لنلحظ نتائج الاتجاهين فيهما معاً .
أمّا في الأمور العمليّة فلا شكّ بأن إنكار الضروري منها يؤول إلى الكفر ؛ بناءً على الاتجاه الأوّل ، سواء أدّى إلى إنكار النبوّة والرسالة أم لا ، بخلاف الاتجاه الثاني ؛ حيث حصر الحكم بكفر منكر الضروري بما إذا آل هذا الإنكار لإنكار النبوة والرسالة ، ومن دون ذلك لا يمكن الحكم بكفره .
وأمّا في الأمور العقديّة فإنكار الضروري فيها مخرج عن الدين أيضاً بناءً على الاتجاه الأوّل ، أمّا بناءً على الاتجاه الثاني فلابدّ من توفّر شرط أخر يلحق الضروري للحكم على منكره بالكفر ، وهو : أن يكون هذا الضروري المنكَر ممّا يجب الاعتقاد به بنحو الإجمال ، أمّا لو كان من تفاصيل ذلك الأمر المجمل ، فلا يُحكم على منكره بالكفر بناءً على هذا الاتجاه ؛ إذ لا يُعدّ هذا التفصيل ركناً مقوّماً لتحقّق عنوان الإسلام الفقهي ، فمثلًا : لم يُشترط في تحقق عنوان الإسلام عقد القلب على أن يكون الباري جلّ شأنه واحداً بالوحدة غير العدديّة ، بل إن عقد القلب والإيمان بالتوحيد بشكل إجمالي يكفي في تحقيق أحد الأركان الأصليّة لذلك العنوان ، دون الحاجة إلى تفاصيل ترتبط بأصل ذلك الأمر المجمل الذي طُلب الإيمان به .
هامش
( 1 ) شرح المقاصد ، التفتازاني ، تحقيق : الدكتور عبد الرحمن عميرة : ج 1 ، ص 164 .