نذكر الله عند إفاضتنا وعند وصولنا المشعر الحرام ، فلا يفيض الحاجّ وفي قلبه شكٌّ من محو ذنوبه ، فذلك الشكّ من سوء الظنّ بالله تعالى ، ومن سوء الأدب في حضرته ، فعرفة محضر تجلّي ضيافة الرحمن ، وفيها تفيض موائده بالمغفرة والرحمات ، فتكون في موضع لسان حالك ناطقاً فيه : غربت الذنوب بهذا الغروب ، وآتت التوبة أكلها بالأمن والسكينة في القلوب ، فإن امتلأ قلبك بذلك فاجعل لسان قلبك ينطق بمنسك الغفران : « أفضت » .
روحانيّة الوقوف في مزدلفة
وهنا موضع استدامة الدعاء ، حيث الزلفى والقربى من الله تعالى ، وقد أسّس للاقتران بالدعاء قرآنيّاً ؛ قال تعالى : . . . فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ( البقرة : 198 ) .
إنّ عرفة مكانٌ اقترن بعالمٍ بالتوبة والدعاء ، نتزوّد به حتّى تكتمل حلقات الدعاء والذكر في مزدلفة المسمّاة بالمشعر الحرام ، وعند مزدلفة تزدلف القلوب التقيّة الطاهرة من جنّتها الباطنة ، وسوق صاحب الباطن الطهور إلى الجنّة قدرٌ مقدّرٌ ، فهو القائل سبحانه : وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ( ق : 31 ) .
إنّها وقفةٌ تحتمي فيها في صحراء مزدلفة بالتزلّف لله وحده ، فتهجر الكثرة بالزلفة ، لتكون حاضراً وملتفتاً لحضورك في ساحة قدسه .
روحانيّة رمي الجمرات
ومع أنّه في الظاهر يتحقّق الرمي لتلك الأحجار المشيرة في باطنها إلى الشهوات والملذّات ، إلّا أنّ الصورة الباطنيّة التي توفّر الروحانيّة في الرمي تكمن في البراءة من النفس الأمّارة بالسوء ، وإلّا فإنّك في الباطن لم ترم إلّا