من حيث الإدراك والفهم ، ففي الرواية عن إسحاق قال : « قلتُ لأبي عبد الله الصادق عليه السلام : الرجل آتيه أُكلّمه ببعض كلامي فيعرف كلّه ، ومنهم من آتيه فأكلّمه بالكلام فيستوفي كلامي كلّه ثمّ يردّه عليَّ كما كلّمته ، ومنهم من آتيه فأكلّمه فيقول : أعدْ عليَّ .
فقال : يا إسحاق ، أوَ ما تدري لِمَ هذا ؟ قلتُ : لا .
قال :
الذي تكلّمه ببعض كلامك فيعرف كلّه ، فذاك مَن عُجنت نطفته بعقله ، وأمّا الذي تكلّمه فيستوفي كلامك ثمّ يجيبك على كلامك ، فذاك الذي ركّب عقله في بطن أُمّه ، وأمّا الذي تكلّمه بالكلام ، فيقول : أعد عليَّ ، فذاك الذي ركّب فيه بعدما كبر ، فهو يقول : أعد عليَّ » « 1 »
. والنتيجة المترتّبة على هاتين المقدّمتين أنّ من أحاديثهم ما هو صعبٌ
مستصعب ، ثقيل ، ونحوها من الأوصاف التي وقفنا عليها سابقاً ، إلّا أنّه لابدّ من الإشارة إلى أنّ حيثيّة الصعوبة وعدم الاحتمال في بعض أحاديثهم ينشأ من جهات عدّة :
الجهة الأولى : قد يكون ناشئاً من عدم إدراك الحقائق العقليّة ؛ لعدم استعداد البعض لفهمها لدقّتها وعمقها ؛ من هنا جاء النهي لهؤلاء عن التعرّض لما لا يفهمون ، وكذلك نُهي الخواصّ عن إلقاء مثل هذه المعارف إليهم كما ورد عن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام حيث قال ليونس : « يا يونس ، ارفق بهم ، فإنّ كلامك يدقّ عليهم » « 2 » . فمثلًا يعسر على غير المتدرّبين في العقليّات أن يفرّقوا بين الحدوث الزماني والحدوث الذاتي ، والفاعل بالاختيار والعلّة التامّة ، وكذلك يعسر عليهم التفرقة بين المحال العادي والمحال
هامش
( 1 ) بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار : ج 1 ، ص 97 ، كتاب العقل والجهل ، باب : 2 ، حقيقة العقل وكيفيّته وبدو خلقه ، الحديث : 10 .
( 2 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 2 ، ص 66 ، كتاب العلم ، الباب : 26 ، الحديث : 6 . .