تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في علم الإمام — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
العقلي ، وبين النادر الوقوع والمحال العادي ، وهكذا . الجهة الثانية : وقد يكون بسبب قوّة الواهمة ومعارضتها لما قام عليه البرهان العقلي ؛ قال الشعراني : « وسرّ ذلك أنّه ما من مسألة من المسائل العقليّة والأصوليّة إلّا وللوهم فيها معارضة ومكافحة ، يجب التمرّن لدفع وسوسته حتّى يؤمن العقل من إبداء الأدلة ويخضع النفس له ، ولابدّ أن يكون الناظر في الأدلة متمرّناً في تفكيك مدركات الوهم عن مدركات العقل ، ويرتاض حتّى يعتاد ، ولا يحصل ذلك بسهولة لكلّ أحد ، والمثال المعروف أنّ العقل يركّب قياساً من مقدّمات بيّنة ، فيقول : الميّت جماد ، والجماد لا يُخاف منه ، فينتج : الميّت لا يُخاف منه ، فيعترف العقل بهذه النتيجة ولا يعترف الوهم . وكذلك الإيمان بالله يعارضه الوهم بأنّ كلّ موجود محسوس ، والله تعالى ليس بمحسوس ، فهو - نعوذ بالله - ليس بموجود ، والإيمان بالوحي والنبوّة يعارضه الوهم بأنّ ليس للإنسان قوّة إدراكيّة غير هذه الحواس الظاهرة والباطنة . فكيف يدرك النبيّ أو الوليّ الوقائع الماضية والآتية والأمور الحاليّة الحادثة في الأماكن البعيدة مع وجود الحائل ؟ وكيف يسمع الصوت من عالم آخر لا يسمعه غيره ؟ ويرى الملك والموجودات الغيبيّة ، وليس لأحد قوّة مدركة لذلك . وكذلك كلّ شيء معارض بشبهة ، ولا يتخلّص عنها إلّا مَن ارتاض وتمرّن بتمييز وساوس الأوهام من مدركات العقول . والوهم متقيّد بالعادات وانحصار الحقيقة في حدود خاصّة استأنسها ، فإذا فاجأها غير المأنوس أنكره واستوحش منه ، وعدّ قائله سفيهاً أو نسبه إلى الضلال والكفر » « 1 » . من هنا جاءت الروايات مبيّنة هذه الحقيقة ، وأنّ الناس ليسوا على درجة واحدة من الفهم والإدراك والتحمّل لمثل هذه الحقائق والمعارف .
هامش
( 1 ) شرح الأصول والروضة ، تعليقة الشعراني ، مصدر سابق : ج 7 ، ص 2 . .