الكريم ( ص ) لبيان هذه الحقيقة ، من خلال العشرات بل المئات من الروايات التي بيّنت أنّ الخلفاء من بعده اثنا عشر . وهذا الاحتمال لا يمكن قبوله لأنّه طعن واضح في سيرة أصحاب النبيّ ( ص ) حيث تؤكّد لنا الوقائع التاريخيّة أنّهم كانوا يهتمّون بكلّ صغيرة وكبيرة من أمر هذا الدِّين ، بل كانوا يسألون عن أمور لا تهمّهم ، لذا نزل قوله تعالى : لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ( المائدة : 101 ) .
الثاني : أنّهم سألوا رسول الله ( ص ) ، لكن الرسول لم يهتمّ ببيان ذلك لهم .
وهذا أيضاً لا يمكن قبوله لأنّه خلاف ما صرّح به القرآن بالنسبة إلى رسوله الأمين ، حيث قال : وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ( التكوير : 24 ) ، بل هو مأمور ببيان ما نُزّل إليه من الأمر الإلهي : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ( النحل : 44 ) ، لاسيّما أنّ ذلك الأمر يرتبط بكمال الدِّين ، بل أساسه ؛ لقوله تعالى : وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ( المائدة : 67 ) .
الثالث : أنّ الأصحاب سألوا رسول الله ( ص ) وبيّنه لهم ، من خلال بيانات متعدّدة وفي مواقع مختلفة وبأساليب متنوّعة ، لكنّ الأجهزة الحاكمة حالت دون ذلك ومنعت من تدوين حديث رسول الله ( ص ) ، بل أمرت بإحراق كلّ ما كتب في هذا المجال ، ونهت عن تدوين ما هو في صدور الأصحاب . « 1 »
هامش
( 1 ) ورد عن عائشة أنّها قالت : جمع أبي الحديث عن رسول الله ( ص ) ، وكانت خمسمائة حديث ، فبات ليلته يتقلّب كثيراً . قالت : فغمّني ، فقلت : أتتقلّب لشكوى أو لشيء بلغك ؟ فلمّا أصبح قال : أي بنيّة ، هلمّي الأحاديث التي عندك ، فجئته بها ، فدعا بنار فحرقها . ( تذكرة الحفّاظ للذهبي : ج 1 ص 5 ) .
وعن القاسم بن محمّد بن أبي بكر : إنّ عمر بن الخطّاب بلغه أنّه قد ظهرت في أيدي الناس كتب ، فاستنكرها وكرهها ، وقال : أيّها الناس إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب ، فأحبّها إلى الله أعدلها وأقومها ، فلا يتبيّن أحدٌ عنده كتاب إلّا أتاني به ، فأرى فيه رأيي . قال : فظنّوا أنّه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف ، فأتوه بكتبهم ، فأحرقها بالنار ! ! ( حجّية السنّة ، للشيخ عبد الغني عبد الخالق : ص 395 ) .