بل لو ثبت نزولها مع الآيات الأخرى فإنّها تختلف عنها في شأن النزول ، إذ إنّ وحدة السياق تقتضي الاتّحاد في نوع الضمائر من جهة ، والاتّحاد في لحن الخطاب من جهة أُخرى ، وهذا ما لا نجده في هذه الآيات الكريمة .
ومن هنا اضطرّ الفخر الرازي إلى حمل الآية على خلاف ظاهرها ، حيث يقول : يعني ليس المنتفع بتكليفكنّ هو الله ، ولا تنفعن الله فيما تأتين به ، وإنّما نفعه لكُنّ ، وأمره تعالى لمصلحتكنّ « 1 » .
نعم ، يبقى هذا التساؤل وهو : إذا لم تكن هذه الآية قد نزلت مع تلك الآيات ، كما هو الأقوى ، أو أنّها نزلت معها لكنّها مختلفة عنها من حيث شأن النزول ، فما هي مناسبة وضعها ضمن تلك الآيات التي تتعلّق بأزواج النبيّ الأعظم ( ص ) ؟
وقد أُجيب عنه بعدّة وجوه ، نكتفي منها بوجهٍ واحد :
إنّ التأمّل في سياق الآيات الكريمة يلوح منه أنّ أزواج النبيّ ( ص ) أو بعضهنّ « كانت لا ترتضي ما في عيشتهنّ في بيت النبيّ ( ص ) من الضيق والضنك ، فاشتكت إليه ذلك ، واقترحت عليه أن يسعدهنّ في الحياة بالتوسعة فيها ، وإيتائهنّ من زينتها . فأمر الله سبحانه نبيّه أن يخيّرهنّ بين أن يفارقنه ولهنّ ما يردن ، وبين أن يبقين عنده ولهنّ ما هنّ عليه من الوضع الموجود « 2 » .
وبهذا المعنى جاءت النصوص الكثيرة الواردة بشأن نزول آيات التخيير ، وأنّها نزلت بسبب سوء معاشرة بعضهنّ لرسول الله ( ص ) ، وكنّ يغاضبنه ( ص ) ، ويهجرنه اليوم حتّى الليل ، في سبيل النفقة والتوسعة فيها ، فمن ذلك ما أخرجه في الصحيح وغيره عن عمر لمّا حدّثته زوجته عن نساء النبيّ ( ص )
هامش
( 1 ) مفاتيح الغيب : ج 24 ص 209 .
( 2 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 16 ص 305 .