أمّا فيما يرتبط ببحثنا فربّما يقال : إنّ الإرادة في قوله تعالى : إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ ( الأحزاب : 33 ) ، هي من القسم الثاني أعني التشريعيّة فيكون المعنى : ( إنّما شرّعنا لكم أهل البيت الأحكام لنذهب عنكم الرجس ونطهّركم ) ، ولكن هذا التفسير للإرادة يتنافى مع الحصر المستفاد من كلمة ( إنّما ) ، إذ من الواضح أنّ الغاية من تشريع الأحكام إذهاب الرجس عن جميع المكلّفين لا عن خصوص أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولا خصوصيّة لهم في تشريع الأحكام ، وليست لهم أحكام مستقلّة عن أحكام بقيّة المكلّفين ، على أنّ حملها على الإرادة التشريعيّة يتنافى أيضاً مع اهتمام النبيّ ( ص ) بأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وتطبيق الآية عليهم بالخصوص ، كما أنّ حملها على التشريعيّة يبعدها عن كونها منقبةً للمخاطبين بها من أهل البيت ( عليهم السلام ) ؛ لأنّها تكون إنشاءً وطلباً للتطهير وإذهاب الرجس من المخاطبين بها ، وهذا خلاف ما أجمع عليه المفسّرون في فهم هذه الآية المباركة ، من أنّها بصدد الإخبار عن منقبة وفضيلة لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، لهذا نجد النزاع قائماً فيما بينهم في شأن نزولها ، ويحاول كلّ فريق إثبات نزولها في قوم دون آخرين .
وهذا خير شاهد على أنّ الآية ليست بصدد الإنشاء والطلب ، كما يحاول مدّعو الإرادة التشريعيّة ، بل هي إخبار عن أمر خارجيّ ، وهذا لا ينسجم إلّا مع الإرادة التكوينيّة .
قال الطبرسي : فلا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الإرادة المحضة ، أو الإرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس . ولا يجوز الوجه الأوّل ، لأنّ الله تعالى قد أراد من كلّ مكلّف هذه الإرادة المطلقة ، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق ، ولأنّ هذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم ، بغير شكّ ولا شبهة ، ولا مدح في الإرادة المجرّدة ، فثبت الوجه الثاني « 1 » .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 8 ص 157 .