( 5 ) تعدّد مناسبات ذكر الحديث وتواتره
توطئة
المتتبّع الحريص على إيمانه بأنّ الرسول ما ينطق عن الهوى ، حريٌّ به أن يتساءل عن الظرف المكاني والزماني الذي يولد به حديث ما ، للرسول الخاتم ( ص ) ، ومن أهمّ الأحاديث التي أعتقد أنّها بحاجة أن نقف عند منازلها زماناً ومكاناً : حديث الثقلين الشريف . فاختيار الأوقات الحرجة ، مثل آخر أيّام مرضه في غرفته ساعة لحوقه بالرفيق الأعلى ، والأماكن الحسّاسة كغدير خمّ ( بعد عودته من حجّة الوداع ) ، وفي عرفات ويُشهد المسلمين على قوله بهذه الأماكن الشريفة وبهذه الطريقة الإعلاميّة الصارخة المقصودة ، بحيث لم يبلّغهم بذلك إلّا واقفاً ، أو على مرتفع ، أو من على ناقته القصواء ، أليس لهذا مغزى وتوكيد يُنبئ عن عظيمِ خطرٍ ، وجسيمِ أمرٍ ؟ وهذا ما يفسّر استفاضته وتواتره ، بحيث صار ممّا يتذكّره حتّى الذين يعانون النسيان ، لكبر سنّهم كما في رواية زيد بن أرقم ، فلم يتذكّر إلّا هذا الحديث الشريف .
لذا ترى ابن حجر الهيتمي يقول مدافعاً عن كثرة طرق هذا الحديث وتعدّد أماكن الدعاية له : ثمّ اعلم أنّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيّف وعشرين صحابيّاً ، ومرّ له طرقٌ مبسوطة في حادي عشر الشُّبه ، وفي بعض تلك الطرق أنّه قال ذلك بحجّة الوداع بعرفة ، وفي أخرى أنّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي أخرى أنّه قال ذلك بغدير خمّ ، وفي أخرى أنّه قاله لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف كما مرّ ، ولا تنافي ؛ إذ لا مانع من أنّه كرّر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها ؛