والشاهد على أنّ الهبة لا تقتضي بحدّ ذاتها المعاوضة في التمليك ، ولا يتوقّف صدقها على حصول التمليك من الطرف الآخر ، فهو ما ذهب إليه الفقهاء من أنّ الواهب لا يتملّك العوض الذي يشترطه على المتّهب بمجرّد هبته وقبول المتّهب ، بل يتوقّف تملّكه للعوض على أن يحصل التمليك من الموهوب له ، وحتّى لو تخلّف المتّهب عن الوفاء بالشرط ، ولم يملّكه العوض ، فإنّ عقد الهبة لا يبطل ، بل يثبت للواهب خيار تخلّف الشرط ، فله أن يرجع عن الهبة ويستردّ عينه ، لكن ليس باعتبار عدم انعقاد عقد الهبة وبطلانه ، بل بمقتضى خيار الشرط الثابت له .
قال المحقّق الحلّي ( قدس سره ) : « ولا يجبر الموهوب له على دفع المشترط ، بل يكون بالخيار » « 1 » ، فشرط المعاوضة في الهبة لا دخل له في تحقّقها وعدمه ، بل هو شرط للزومها ، فتكون الهبة عند الوفاء به لازمة ، وعند التخلّف عنه
جائزة .
ولو كان التمليك في الهبة المعوّضة على وجه المعاوضة والمبادلة ، لكان الواهب مالكاً للعوض بمجرّد تمليكه الهبة للمتّهب ، وإذا ما امتنع الأخير عن التمليك فإنّ نفس عقد الهبة يكون باطلًا ، ولا تدخل الهبة في ملك المتّهب أساساً ، فلا يبقى مجال للخيار ، كما هو الحال في البيع .
إذن ، فحكمهم على تملّك المُتّهب للهبة - قبل أن يملّك هو العوض للواهب - دليلٌ على عدم كون الهبة المعوّضة من المعاوضات ، وليس فيها تمليك معاوضيّ ، ويكفي هذا الحكم في بيان الفرق بين سنخ التمليك في الهبة والبيع .
وهذا هو مراد المصنِّف ( قدس سره ) من قوله : « فليست الهبة إنشاء تمليكٍ
هامش
( 1 ) شرائع الإسلام : ج 2 ، ص 183 . .