تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في فقه عقد البيع — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
بمجرّدِ تملُّكِ الموهوبِ الهبةَ ، بل غايةُ الأمرِ : أنَّ المتّهبَ لو لم يؤدِّ العوضَ كانَ للواهبِ الرجوعُ في هبتهِ ، فالظاهرُ : أنَّ التعويضَ المشترطَ في الهبةِ كالتعويضِ الغيرِ المشترطِ فيها في كونهِ تمليكاً مستقلًّا يُقصدُ به وقوعهُ عوضاً ، لا أنَّ حقيقةَ المعاوضةِ والمقابلةِ مقصودةٌ في كلٍّ منَ العوضينِ ؛ كما يتّضحُ ذلكَ بملاحظةِ التعويضِ الغيرِ المشترطِ في ضمنِ الهبةِ الأولى . فقد تحقّقَ ممّا ذكرنا : أنّ حقيقةَ تمليكِ العين بالعوض ليست إلّا البيعَ ، فلو قالَ : « ملّكتُكَ كذا بكذا » كانَ بيعاً ، ولا يصحُّ صلحاً ، ولا هبةً معوّضةً ، وإنْ قصدهما ؛ إذِ التمليكُ على جهةِ المقابلةِ الحقيقيّةِ ليسَ صلحاً ، ولا هبة ، فلا يقعانِ بهِ . نعم ، لو قلنا بوقوعهما بغيرِ الألفاظِ الصريحةِ توجّهَ تحقُّقهما معَ قصدِهما ، فما قيلَ مِن : أنَّ البيعَ هوَ الأصلُ في تمليكِ الأعيانِ بالعوضِ ، فيقدّمُ على الصلح والهبةِ المعوّضةِ ، محلُّ تأمّلٍ ، بل منعٍ ؛ لما عرفتَ منْ أنَّ تمليكَ الأعيانِ بالعوضِ هوَ البيعُ ، لا غير . نعم ، لو أُتيَ بلفظ « التمليكِ بالعوضِ » واحتملَ إرادةُ غيرِ حقيقتهِ كانَ مقتضى الأصلِ اللفظيِّ حملَه على المعنى الحقيقي ، فيحكمُ بالبيعِ ، لكنَّ الظاهرَ أنَّ الأصلَ بهذا المعنى ليسَ مرادَ القائلِ المتقدّمِ ، وسيجيءُ توضيحهُ في مسألةِ المعاطاةِ في غيرِ البيعِ إنْ شاءَ اللهُ . بقيَ القرضُ داخلًا في ظاهر الحدِّ ، ويمكنُ إخراجهُ بأنَّ مفهومَه ليسَ نفسَ المعاوضةِ ، بل هو تمليكٌ على وجهِ ضمانِ المثل أو القيمةِ ، لا معاوضةٌ للعينِ بهما ؛ ولذا لا يجري فيهِ ربا المعاوضةِ ، ولا الغررُ المنفيُّ فيها ، ولا ذكرُ العوضِ ، ولا العلمُ بهِ ، فتأمّل .