بانتقاضهِ بمستَأجرِ العينِ بعينٍ ، حيثُ إنّ الاستِئجارَ يتضمّنُ تمليكَ العينِ بمالٍ ، أعني : المنفعةَ .
ومنها : انتقاضُ طردهِ بالصلحِ على العينِ بمالٍ ، وبالهبة المعوّضة .
وفيه : أنَّ حقيقةَ الصلح - ولو تعلّقَ بالعين - ليسَ هو التمليكَ على وجهِ المقابلةِ والمعاوضةِ ، بل معناهُ الأصليُّ هوَ التسالُم ؛ ولذا لا يتعدّى بنفسه إلى المال . نعم ، هو متضمّنٌ للتمليك إذا تعلّق بعينٍ ، لا أنّه نفسُه .
والذي يدلُّكَ على هذا : أنَّ الصلحَ قد يتعلّقُ بالمالِ عيناً أو منفعةً ، فيفيدُ التمليكَ ، وقد يتعلّقُ بالانتفاعِ بهِ ، فيفيدُ فائدةَ العاريةِ ، وهو مجرّدُ التسليطِ ، وقد يتعلّقُ بالحقوقِ ، فيفيدُ الإسقاطَ أو الانتقالَ ، وقدْ يتعلّقُ بتقريرِ أمرٍ بينَ المتصالحين ، كما في قولِ أحدِ الشريكينِ لصاحبهِ : « صالحتكَ على أنْ يكونَ الربحُ لكَ ، والخسرانُ عليكَ » ، فيفيدُ مجرّدَ التقريرِ .
فلو كانتْ حقيقةُ الصلحِ هيَ عينَ كلٍّ منْ هذهِ المفاداتِ الخمسةِ ، لزمَ كونُه مشتركاً لفظيّاً ، وهوَ واضحُ البطلانِ ، فلمْ يبقَ إلّا أنْ يكونَ مفهومهُ معنىً آخرَ ، وهوَ التسالمُ ، فيفيدُ في كلّ موضعٍ فائدةً منَ الفوائدِ المذكورةِ بحسبِ ما يقتضيهِ متعلّقُه .
فالصلحُ على العينِ بعوضٍ : تسالمٌ عليهِ ، وهو يتضمّنُ التمليكَ ، لا أنَّ مفهومَ الصلحِ في خصوص هذا المقامِ وحقيقتَه هوَ إنشاءُ التمليكِ ، ومنْ هنا لمْ يكنْ طلبهُ منَ الخصمِ إقراراً ، بخلافِ طلبِ التمليكِ .
وأمّا الهبةُ المعوّضةٌ - والمرادُ بها هنا : ما اشتُرِطَ فيها العوضُ - فليستْ إنشاءَ تمليكٍ بعوضٍ على جهةِ المقابلةِ ، وإلّا لم يُعقلْ تملّكُ أحدِهما لأحدِ العِوَضينِ مِن دونِ تملُّكِ الآخَرِ للآخَرِ ، معَ أنَّ ظاهرَهم عدمُ تملُّكِ العوضِ
بحوث في فقه عقد البيع — صفحة 276
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٧٦