وقد انطوت السور القرآنية الكريمة على شئ كثير من مصاديق هذا الأدب ،
ومن ذلك ما نقتطفه من محاورة جرت بين نوح عليه السلام وقومه كما يصوّرها لنا القرآن الكريم بهذا التصوير الرائع :
) قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( « 1 » .
لا يخفى لمن تأمّل هذا المقطع القرآني أنّ نوحاً عليه السلام ينفى عن نفسه الشريفة ما نسبوا إليه من إتيان الآية لكي يعجّزوه به ، بل نراه ينسب ذلك إلى ربّه ويبالغ في الأدب حينما يقول : ) إِنْ شَاءَ ( ثمّ بقوله : ) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( أي لله ، ولذلك نسبه إليه تعالى بلفظ ) اللَّهُ ( دون لفظ « رَبّى » لأنّ الله هو الذي ينتهى إليه كلّ جمال وجلال ، ولم يكتف بنفي القدرة على الإتيان بالآية عن نفسه بل نراه يقرّر نفى أن ينفعهم نصحه لهم إذا لم يرد الله سبحانه أن
ينتفعوا به ، فأكمل بذلك نفى القدرة عن نفسه وإثباته لربّه ، وعلّل ذلك بقوله : ) هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( .
« فهذه محاورة غاصّة بالأدب الجميل في جنب الله سبحانه حاور بها نوح عليه السلام الطغاة من قومه محاجّاً لهم ، وهو أوّل نبي من الأنبياء عليهم السلام فتح باب الاحتجاج في الدعوة إلى التوحيد ،
هامش
( 1 ) هود : 34 32 .